الكاتب :
التاريخ: ٠٨ سبتمبر-٢٠٢٦       5060

بقلم - حنان سعد 
في محافظتنا الجميلة -خليص- حيث يهمس الثرى بحكايات السنين ، يقف بيتٌ صغير في شمال حارة المغاربة . بيتٌ لا يكاد يلفت النظر من الخارج ، لكنه يحمل في داخله حكايات أكبر من جدرانه .
كان البيت يتكوّن من غرفةٍ رئيسية ، مساحتها خمسة أمتار في سبعة ، جدرانها من حجرٍ قديم صامت ، وسقفها من جريد النخل ، وبابها الخشبي المتآكل حُفرت عليه خطوط الزمن .
غرفةٌ ضيقة في مساحتها ، لكنها اتسعت لأسرةٍ كاملة .
فيها وُلدنا ، ونمنا ، وأكلنا ، وكبرنا ، ودرسنا . فيها ضحكنا وبكينا ، فرحنا وحزنّا ، اجتمعنا وتفرّقنا ، وفقدنا أحبةً ثم واصلنا الحياة .
لم تكن غرفةً عادية ، بل كانت وطنًا صغيرًا احتضن عمرًا كاملًا ، وهنا تبدأ حكاية هذه الغرفة .
تزوج والداي في سن مبكرة ورُزقا بثلاثة أطفال ، لكنهم رحلوا واحدًا تلو الآخر ؛ كان يفصل بين رحيل أحدهم والآخر نحو عامين .
ثم جئتُ أنا ، المولودة الرابعة ، وكتب الله لي الحياة ، ثم كتبها لإخوتي من بعدي .
وكان أبي رحمه الله ، يستثمر ألم الفقد في صناعة الأمل . فبعد وفاة إخوتي ، انصرف إلى تعليم أمي القراءة والكتابة ، وكأنهما أرادا أن يحوّلا الحزن إلى طريقٍ جديد للحياة .
كان العلم يضيء بصيرتهما ، ويخفف عنهما ألم الفقد ، ويقوّي إيمانهما بالقضاء والقدر ، ويزيد حبهما للعلم وطلبه ، حتى توفي أبي رحمه الله وهو لا يزال يطلب العلم في الكلية بمكة المكرمة ، وقد خلّف وراءه تسعة أطفال ، ولم يرَ طفله العاشر الذي كان لا يزال جنيناً .
وحين اكتملت أسرتنا بستة أطفال رحل أبي في حادثٍ مروّع ! وكنت في الرابعة عشرة من عمري .
ومنذ ذلك اليوم انقلبت سنوات عمري التي كانت ربيعًا دائمًا إلى شعورٍ لا أستطيع وصفه إلا بأنه انتقالٌ مفاجئ من الطفولة إلى الشيخوخة .
وفي هذه الغرفة تخطينا كل شيء ، فيها وُلدت أختي الصغيرة بعد وفاة أبي بشهرين ، فكانت صرختها الأولى في هذه الغرفة وكأن الحياة جاءت لتقول لنا إن الرحيل لا يعني نهاية الحكاية .
تغيّرت المباني وتطورت المحافظة ، وتبدلت ملامح البيوت والشوارع ، وبقي بيتنا كما هو ؛ لم يطرأ عليه من التجديد إلا إضافة بعض الغرف .
أما الغرفة المركزية ، المبنية من الحجر ، فقد بقيت كما كانت ، حاولنا ذات يوم أن نغيّر شيئًا من ملامحها ؛ طلاءً هنا ، وسدًا لبعض فتحاتها هناك .
لكن أمي غضبت !
أغلقتها وجعلتها غرفة نومها ، ولم تكن تسمح لنا بدخولها إلا بإذن .
لكنني لم أفهم تمامًا سر تعلقها بالغرفة إلا بعد سنوات ، دارت الأيام دورتها ، وخطف الموت خالتي التي ربّتنا مع والدتي ، فكانت لنا أمًا ثانية .
وبعدها بعام وثلاثة أشهر ، توفيت أصغر أخواتي ، وتركت طفلين ، فعاد إلينا اليتم مرة أخرى ، وكأن الحياة أعادت فتح جرحٍ قديم لم يلتئم ، لم نستطع تجاوز ذلك بسهولة .
انتقلنا إلى جدة وأصبحنا لا نزور خليص إلا في الأعياد والمناسبات الضرورية ، ومضت خمسة أعوام على هذا الحال .
وفي أحد الأعياد ، تعبت والدتي ، فنقلناها إلى المستشفى في خليص ، وبقيت فيه عشرة أيام .
كنت أعود إلى البيت بعد انتهاء وقت الزيارة ، وحيدة ، وكان مفتاح الغرفة معي .
وفي إحدى المرات ، وقفت أمام الباب
أدخلت المفتاح
ارتجفت يدي
لم أكن أفتح باب غرفة …
كنت أفتح باب عمري كله
دخلت
فلم تكن غرفة
كانت وطنًا من الفرح والوجع
في إحدى زواياها ، سمعت ضحكاتنا ؛ أنا وأخواتي ، وأبي وأمي وخالتي .
فضحكت
ثم انتقلت إلى جهة أخرى ، فسمعت بكاء عزاء أبي يوم الحادث ، وسمعت الصراخ ، ثم سمعت بكاء أختي الصغيرة .
وفي جدارٍ آخر ، سمعت صوت نتيجتي ونجاحي ، وتعييني ، وأول راتب لي .
سمعت بشائر نجاح إخوتي
سمعت ضحكاتنا ونكاتنا
رأيت اجتماع العائلة ، واجتماع أعمامي وخالاتي ، ووجوه الجيران والأصدقاء .
كانت الغرفة مركزًا لكل شيء
للفرح والحزن
للضحكات والدموع
للبدايات والنهايات
للغداء مع أبي …
ثم للغداء بدونه .
كلما نظرت إلى جدارٍ من جدرانها ، وجدت شيئًا يفرحني ، وشيئًا يبكيني ، وشيئًا يذكرني بما أنجزناه ، وكيف تخطينا الألم ، وكيف وقفت أمي إلى جوارنا ، ونصائحها التي صنعت فينا الكثير ، وأحاديث أبي وتوجيهاته التي بقي صداها معنا رغم غيابه .
لكن ..!!
لم تنتهِ القصة …
فهذه الغرفة لا تحمل ذكريات أسرتنا وحدها بل لها ذكريات أخرى مع بنات خليص .

وهنا السؤال :
أتدرون لماذا يتذكر أهل خليص هذه الغرفة ؟
لأن أبي وأمي ، في يومٍ من الأيام ، تنازلا عنها ، خرجا من مسكنهما ، وانتقلا إلى بيت خالتي ، لكي تصبح هذه الغرفة أول فصلٍ دراسي لبنات المحافظة .
ومن هذه الغرفة بدأت حكاية تعليم البنات في خليص ، لم تكن الغرفة  مجرد مكانٍ سكن فيه أبي وأمي وأطفالهما .
كانت مكانًا خرج منه العلم إلى بنات المحافظة ، كانت شاهدًا على تضحية أبي وأمي بالسكن والراحة ، ليفتحا نافذةً للعلم والمعرفة أمام أجيالٍ من الفتيات .
عندها فقط …
عذرت أمي في حرصها على بقاء الغرفة كما هي ، فهمت لماذا كانت تغضب حين نحاول تغيير جدرانها .
أمي لم تكن تحتفظ بجدران
كانت تحتفظ بعمرها كله داخل غرفةٍ مساحتها خمسة في سبعة أمتار ...
كانت تحتفظ فيها بصوت أبي ، وضحكات أطفالها ، ودموعها ، وصبرها ، وفقدها ، وأحلامها ، وتضحياتها .

وكانت تحتفظ أيضًا بذاكرة مكانٍ خرج منه أول نورٍ لتعليم بنات خليص .
لهذا بقيت الغرفة
وبقيت جدرانها صامتةً في ظاهرها …
لكنها لمن يعرف حكايتها ، لا تصمت أبدًا .
إنها تتحدث ...
تحكي عن أبٍ طلب العلم حتى آخر أيامه ، وعن أمٍ حوّلت ألمها إلى تعليمٍ وتربية ، وعن أطفالٍ كبروا رغم الفقد .
وعن أختٍ جاءت إلى الدنيا بعد رحيل أبيها بشهرين .
وعن خالةٍ حملت معنا عبء الأمومة
وعن أختٍ رحلت وتركت طفلين
وعن أسرةٍ غادرت المكان ، ثم عادت إليه بعد سنوات ، فاكتشفت أن بعض الأماكن لا نغادرها حقًا …
لأنها تسكن فينا
اللهم ارحم أبي ، وخالتي ، وأخواتي ، واحفظ لي أمي .
اللهم اجعل ما قدّمته أمي وأبي في ميزان حسناتهما ، واجعل تضحياتهما علمًا ينتفع به ، وأثرًا طيبًا لا ينقطع ، ونورًا لهما على الصراط ، وارفع به  درجاتهما في أعلى الجنان .
وإن كان للأماكن ذاكرة …
فإن لهذه الغرفة ذاكرةً لا تشبه ذاكرة أي مكان آخر .
غرفةٌ من حجر … لكنها بُنيت من عمرٍ كامل .
غرفةٌ مساحتها خمسة في سبعة أمتار … واتسعت لحياة أسرة ، ولحكاية محافظة بأكملها ...

حساب الكاتبة : umsaad51@