الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ سبتمبر-٢٠٢٦       4565

بقلم ـ جمعان الكرت 

الباحة إحدى الوجهات السياحية الواعدة على خارطة السياحة المحلية، وثمة أسئلة تطفو على السطح: كيف يمكن استثمار مقوماتها الطبيعية والتراثية لصناعة سياحة مستدامة؟ وما الدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في التعريف بهذه المقومات وتحويلها إلى منتجات وتجارب سياحية جاذبة؟
أسئلة كثيرة كانت تراودني وأنا في طريقي إلى محافظتي بني حسن، درة السراة، ومحافظة المندق، «سيدة السحاب»، المحافظتان اللتان تختزلان بين جبالهما وأوديتهما وقراهما ومزارعهما إرثًا طبيعيًا وثقافيًا وإنسانيًا يؤهلهما لأن تكونا من أبرز الوجهات السياحية في منطقة الباحة.
منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها الزائر رحلته نحوهما، تتبدل ملامح المشهد. فالطريق يعبر جبال السراة، وتتناثر القرى على السفوح، فيما تكسو الأشجار مساحات واسعة من الجبال، وتتداخل السحب مع القمم في لوحة لا تحتاج إلى كثير من التجميل.
ومن على بعض المرتفعات تبدو القرى من بعيد كأنها لآلئ تستقر بين أكناف الجبال، فيما تعبر السحب البيضاء فوقها، حاملة معها بشائر المطر.
وفي الطريق المعلّق الذي يشق الجبل، يعيش الزائر تجربة بصرية مختلفة؛ فالارتفاع يمنحه إطلالة واسعة على القرى والجبال والأودية، بينما تتعانق أشجار العرعر مع الطريق، لتضيف إلى المشهد جمالًا وهيبة.
وعند المرور بمحافظة بني حسن، تبدو الطبيعة أكثر حضورًا؛ خضرة تمتد على جوانب الطريق، وجبال شامخة، وقرى تتوزع في تناغم جميل مع تضاريس المكان.
فما تمتلكه محافظة بني حسن من طبيعة ومناخ وغطاء نباتي وأودية وشلالات وقرى تراثية وموروث ثقافي واجتماعي، لا ينبغي أن يبقى مجرد مقومات متناثرة، وإنما يجب أن يتحول إلى منتج سياحي متكامل.
وبني حسن تحديدًا تمتلك عناصر متعددة يمكن أن تصنع منها وجهة سياحية مختلفة؛ فالسياحة فيها ليست طبيعية فحسب، بل يمكن أن تجمع بين السياحة البيئية والريفية والزراعية والتراثية والثقافية وسياحة المغامرات.
ويأتي وادي وشلال خيرة في مقدمة المواقع التي تختزن إمكانات كبيرة؛ فالماء والصخور والأشجار والمساحات الخضراء والتكوينات الطبيعية تمنحه شخصية خاصة، يمكن البناء عليها لتطوير تجربة سياحية تحافظ على البيئة، وتتيح للزائر الاستمتاع بالطبيعة في الوقت ذاته.
وليس بعيدًا عن ذلك منتزه الأمير مشاري، الذي يقدم مثالًا على إمكانية توظيف عناصر الطبيعة في صناعة مواقع جاذبة للزوار. ومن الشرفات الجبلية يمكن للزائر أن يتأمل الشلالات ومجاري الأودية والجبال، في مشهد يمنحه لحظات من الهدوء والدهشة.
ومن مقهى قمرة، تدرك أن الطبيعة اختارت أجمل مقاعدها؛ فالجبال يكسوها الغطاء النباتي الكثيف، والغيوم تمر فوق السفوح كأنها تستأذن المكان قبل أن تعانقه.
تجلس، وفنجان القهوة بين يديك، فتشعر أن المشهد من حولك هو القهوة الأخرى؛ قهوة تُرتشف بالعين، من خضرة تتدرج على السفوح، وهواء نقي، وأفق مفتوح يمنح القلب فسحة من التأمل.
وفي تلك اللحظة، تبدو قمرة أكثر من فندق ومقهى؛ إنها شرفة معلقة على جمال الباحة، يأتي إليها المرء ليشرب قهوته، ثم يكتشف أنه جاء أيضًا ليشرب شيئًا من سكينة المكان وفتنة الجبل.
بل إن طبيعة الطرق الجبلية نفسها يمكن أن تتحول إلى عنصر جذب لمحبي المغامرة والرحلات البرية والدراجات والمسارات الجبلية، شريطة أن يتم ذلك وفق معايير السلامة وحماية البيئة.