بقلم- هلا الخباز
في غالب اللقاءات التي تظهر لنا على منصات التواصل الاجتماعي عبر مقاطع مختصرة، وعبر المنصة السوداء أو في رحلة الصبر ونحن نستمع إلى بودكاست يهوّن علينا زحمة الطريق، لا بد أن تأتي اللحظة المنتظرة: "حدثنا عن بداياتك".
وهنا تبدأ الموسيقى التصويرية، وكأني أسمع الناس خلفية للقاء..
بدأ رحلة المليون بخمسة آلاف دولار فقط، وذاك حصل على درجته العلمية المرموقة بعد ليالٍ من الدراسة على ضوء الشارع، وثالث ترك منزل العائلة وفي جيبه ما يكفي بالكاد لشراء وجبة، ثم عاد بعد سنوات وفي جيبه ما يكفي لشراء الشارع بسكانه.
وهنا أنا لا اعتراض على القصص، ولا على أصحابها.. لكن يبدو أننا اتفقنا ضمنيًا أن النجاح وحده لم يعد كافيًا.. فلا بد أن نضيف القليل من الألم لنبهرج ونبيع القصة، ويا حبذا لو كان الألم موثقاً.
أين المعاناة في قصتك؟
أصبحنا نتعامل أحيانًا مع المعاناة وكأنها أحد متطلبات السيرة الذاتية بعد الاسم والخبرات، ما العقبات التي كادت أن تقضي عليك؟
فإذا قال الضيف: " نشأت في أسرة مستقرة، أحبني والداي، تلقيت تعليمًا جيدًا، ولم أضطر للعمل في الثالثة عشرة من عمري، ثم اجتهدت ونجحت".. نشعر أن القصة ينقصها شيء.
وإذا قال: " ولدت وفي فمي ملعقة من ذهب، وعشت طفولة سعيدة “.. سنغلق المقطع!!
طيب... ألم يطردك أحد؟
لا إفلاس؟
لا صديق خانك؟
حتى مدير سابق قال لك إنك لن تنجح؟
ولا شيء؟
للأسف، قصة غير مناسبة للبيع والانتشار.. لماذا؟
لأننا نحب البطل أكثر عندما يتألم
المسألة ليست سطحية تمامًا. في علم النفس هناك مفهوم يسمى الهوية السردية Narrative Identity، فنحن لا نتذكر حياتنا كوقائع متفرقة فقط، بل نرتبها في قصة تساعدنا على تفسير من نحن وكيف وصلنا إلى هنا.
ومن الأنماط التي درسها عالم النفس دان ماك آدامز وزملاؤه ما يعرف بـ السردية الخلاصية ، حين تتحول التجربة السلبية في قصة الإنسان إلى معنى أو نتيجة إيجابية.. وهذا مفهوم إنساني وجميل ولا غبار عليه، لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل القصة من محاولة فهم حياتنا إلى محاولة تسويقها.
فالقصة التي تقول:" اجتهدت، وساعدني أهلي، وصادفت فرصًا جيدة، والتقيت أشخاصًا فتحوا لي أبوابًا، وكنت محظوظًا في بعض المحطات".
قصة محترمة جدًا.. لكنها، دعونا نعترف، تحتاج إلى فريق تسويق موهوب جدًا كي تصبح ترندًا.
أما:
لم يؤمن بي أحد.. فهذه تسهل عملية النشر والانتشار
الاعتراف بالحظ يفسد الحبكة، لهذا نادراً ما نسمع ناجحاً يقول بوضوح وبمنتهى الصراحة
كنت محظوظًا.
كان لدي أهل يدعمونني.
وضعي المادي منحني مساحة لأجرّب.
كانت لدي علاقات ساعدتني.
فشلت، نعم، لكن كان لدي ما يسمح لي بأن أفشل دون أن تنهار حياتي.
ليس لأن الناجحين لا يعرفون هذه الأشياء بالضرورة، وإنما لأن الاعتراف بها يسحب قليلًا من الضوء من صورة "صنعت نفسي بنفسي"
فتتحول القصة من بطولة فردية كاملة إلى ما هي عليه الحياة في الغالب، جهد شخصي ساعدته عوامل كثيرة.. وهي حقيقة جميلة، لكنها أقل درامية.
وهل الألم فعلًا يصنع النجاح؟
في دراسة وجد الباحث مارك سيري وزملاؤه ونُشرت عام 2010 في Journal of Personality and Social Psychology، أن المرور بقدر محدود من الشدائد قد يرتبط في بعض الحالات بمرونة أعلى أمام ضغوط لاحقة، لكن تراكم الشدائد يرتبط بنتائج أسوأ.
وهذا يعني أن الحياة لا تعمل بالمعادلة الشعبية: معاناة أكثر = نجاح أكبر.
ولو كانت بهذه البساطة، لكانت أكثر مناطق العالم معاناة هي الأكثر إنتاجًا للمليونيرات والعباقرة.
الاستقرار ليس غشًا
وهنا نصل إلى الجزء الذي لا يحظى عادةً بموسيقى تصويرية.. الاستقرار أيضًا يصنع ناجحين، الطفولة الآمنة قد تصنع إنساناً واثقاً، الدعم الأسري قد يمنح الشخص الجرأة على التجربة.
كلها أمور لا ينبغي أن يشعر الإنسان بالحرج منها.. وليس مطلوبًا من الناجح أن يعتذر لأنه لم يعانِ بما يكفي.
ولا أن يبحث في طفولته عن موقف مؤلم يصلح افتتاحية للمقابلة " ما لا يقتلني "
قال نيتشه عبارته التي أصبحت ربما أشهر شعار غير رسمي لقصص النجاح: "ما لا يقتلني يجعلني أقوى".
جميلة..
لكن ما لا يقتلنا قد يجعلنا أقوى فعلًا.
وقد يجعلنا أكثر حذرًا.
وقد يجعلنا نحتاج سنوات من التعافي.
وقد يجعلنا فقط... متعبين.
الحياة، للأسف، لم توقّع عقدًا مع الاقتباس.
هناك من عانى ووصل... وهناك من استقر ووصل
ربما فقط علينا أن نتوقف عن سؤال كل ناجح ضمنيًا: طيب... أين الجزء الحزين من القصة؟
وأن نتعلم الاحتفاء أيضًا بإنسان يقول: "كانت طفولتي جميلة، أهلي دعموني، كنت محظوظًا في أشياء كثيرة، واجتهدت في أشياء كثيرة... ووصلت".
لن يحصد المقطع ربما ملايين المشاهدات.. ولن نجد جملة مناسبة نضعها فوق صورته مع موسيقى حزينة.. لكنه سيكون أكثر صدقًا مع فكرة النجاح.
فنحن لا نحتاج إلى أن نصنع لأبنائنا طفولة قاسية حتى تكون لديهم قصة ملهمة يروونها بعد عشرين عامًا.
نحتاج إلى أن نصنع لهم بيئة آمنة، وفرصًا أفضل، وحبًا كافيًا، ثم نترك لهم مهمة صناعة نجاحهم.
فالنجاح لا يحتاج دائمًا إلى ندبة كي يكون حقيقيًا.
لكن ماذا نفعل؟
يبدو أننا شعب نحب الدراما...
حتى إن كانت حياتنا مستقرة، سنفتش قليلًا في الأرشيف.