الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ أغسطس-٢٠٢٦       5775

بقلم: د. سعود عقل

في الماضي، كان الخبر يحتاج إلى صحيفة حتى يصل إلى الناس، وكانت الشائعة تمشي على أقدام أصحابها، فتصل متأخرة وقد فقدت شيئًا من قوتها. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف قادرًا على نشر خبر، أو صورة، أو اتهام، إلى آلاف الأشخاص في ثوانٍ.

وهنا بدأت المشكلة.

فقد تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي من وسيلة للتواصل إلى محكمة شعبية مفتوحة؛ متهمٌ بلا محامٍ، وحكمٌ بلا قاضٍ، وأدلةٌ قد تكون مجرد صورة مبتورة أو مقطع مجتزأ أو رسالة مجهولة المصدر.

والأخطر أن الحكم في هذه المحكمة قد يصدر قبل أن تُعرف الحقيقة.

قد يكتب شخص تغريدة غاضبة، أو ينشر مقطعًا، أو يروي قصة من وجهة نظره، ثم تبدأ التعليقات، وتنتشر الرواية، ويصبح المتهم مدانًا في نظر الجمهور قبل أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه.

لكن الحقيقة لا تُقاس بسرعة انتشارها، ولا بعدد مشاهداتها.

فالترند ليس دليلًا، وكثرة المتابعين ليست شهادة، والغضب الجماعي ليس حكمًا قضائيًا.

وهنا لا بد أن نفرق بين أمرين مهمين: حرية التعبير، والمسؤولية عن التعبير.

من حق الإنسان أن ينتقد، وأن يروي تجربته، وأن يختلف مع الآخرين، وأن يطالب بحقه. لكن هذا الحق لا يعني أن تتحول المنصات إلى مساحة مفتوحة لتوجيه الاتهامات أو انتهاك الخصوصية أو الإساءة إلى السمعة.

فعبارة واحدة قد تكون في نظر كاتبها مجرد «رأي»، لكنها في سياقها قد تحمل اتهامًا صريحًا. وصورة قد يراها ناشرها عادية، لكنها بالنسبة لصاحبها اعتداء على خصوصيته. ومقطع قد يبدو بسيطًا، لكنه إذا نُشر خارج سياقه قد يغيّر صورة الحقيقة بالكامل. والأشد خطورة هو ثقافة «أنا فقط أنقل».فإعادة نشر محتوى مسيء لا تجعل الإنسان محايدًا بالضرورة، كما أن كتابة عبارة «منقول» لا تمنح المحتوى حصانة. وفي العالم الرقمي، لا يكفي أن نسأل: من كتب؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: من نشر؟ ومن أعاد النشر؟ ومن ساهم في وصول المحتوى إلى الآخرين؟

لقد أصبحت المسؤولية الرقمية جزءًا من المسؤولية الاجتماعية.

والأنظمة في المملكة العربية السعودية لم تترك هذه المسائل دون تنظيم؛ فهناك قواعد نظامية تحمي الحقوق والخصوصية والسمعة، وتجرّم بعض صور الإساءة والتشهير عبر الوسائل التقنية، كما أن الدليل الرقمي أصبح حاضرًا في المنظومة القضائية الحديثة.

لكن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في غياب النظام، وإنما في غياب الوعي بالنظام.

فالبعض يتعامل مع هاتفه وكأنه مساحة خاصة لا تترتب عليها مسؤولية، مع أن ما يُكتب أو يُصوّر أو يُرسل قد يخرج من دائرة الخصوصية في لحظة واحدة، ويصبح أثره أوسع بكثير مما توقع صاحبه.

ومن المفارقات أن الإنسان قد يحذر كثيرًا عندما يتحدث أمام عشرين شخصًا، لكنه يكتب أمام آلاف الأشخاص دون أن يتوقف لحظة ليسأل نفسه: ماذا لو كانت هذه الكلمات أمام جهة قضائية؟

السؤال هنا ليس للتخويف، وإنما لبناء ثقافة رقمية أكثر وعيًا.

نحن بحاجة إلى أن نعلّم أبناءنا أن الاختلاف لا يعني الإساءة، والنقد والشكوى لا تعني التشهير بالطرف الآخر، وحرية الرأي لا تعني انتهاك حقوق الآخرين.

كما أننا بحاجة إلى إعادة النظر في سلوكنا كمجتمع تجاه ما نشاهده على المنصات.

لماذا نصدق أسرع مما نتحقق؟

ولماذا نشارك قبل أن نسأل؟

ولماذا نمنح الاتهام اهتمامًا أكبر من الحقيقة؟

ربما لأن وسائل التواصل صنعت في داخلنا رغبة في أن نكون جزءًا من الحدث، حتى لو لم نعرف تفاصيله.

لكن المشاركة في ظلم إنسان ليست بطولة، وإعادة نشر اتهام غير متحقق منه ليست موقفًا اجتماعيًا، والضغط على زر «إعادة النشر» قد يكون أسهل قرار نتخذه، لكنه ليس دائمًا أبسط نتائجه.

إن المجتمع الواعي لا يحتاج إلى أن يسكت عن الخطأ، وإنما يحتاج إلى أن يعالج الخطأ بطريقة صحيحة.

فإذا تعرض الإنسان لظلم، فهناك جهات مختصة وطرق نظامية للمطالبة بالحق. وإذا كانت لديه شكوى، فله أن يرفعها. وإذا أراد تقييم تجربة، فله أن يعبر عنها بموضوعية ومسؤولية.

أما تحويل وسائل التواصل إلى ساحة لتصفية الحسابات، أو إصدار الأحكام، أو التشهير بالآخرين، فلن يصنع مجتمعًا أكثر عدلًا؛ بل قد يصنع مجتمعًا يخشى فيه الإنسان أن يُحاكم اجتماعيًا بسبب رواية لم تتحقق.

لقد أعطتنا التقنية صوتًا لم يكن متاحًا للأجيال السابقة، لكن امتلاك الصوت لا يعني امتلاك الحقيقة.

فكر قبل أن تنشر، تحقق قبل أن تنقل، وأنصف قبل أن تحكم.

فقد يكون وراء الشاشة إنسان له أسرة وسمعة وحقوق، وقد تكون الحقيقة مختلفة تمامًا عما ظهر في مقطع مدته ثلاثون ثانية.

وفي زمن أصبحت فيه الكلمة تصل إلى الملايين بضغطة زر، لم يعد السؤال: هل أستطيع أن أنشر؟

بل السؤال الأهم:هل ينبغي أن أنشر؟

فبين الزر والنتيجة لحظة قصيرة جدًا، لكنها قد تصنع فرقًا كبيرًا بين التعبير عن الرأي.. والإضرار بالآخرين.

ولعل أجمل قاعدة نحتاجها في زمن المنصات:

لا تجعل من حسابك محكمة، ولا من متابعيك قضاة، ولا من الظن حقيقة.