الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ أغسطس-٢٠٢٦       3905

بقلم ـ عبدالله الكناني ٣

منذ أن أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياة الناس، لم تعد صناعة الرأي العام حكرًا على المؤسسات الإعلامية والصحفيين المحترفين، بل أصبح كل فرد قادرًا على إنتاج المحتوى ونشره والوصول به إلى جمهور واسع خلال دقائق. وهذه مساحة إيجابية في أصلها، وسّعت دائرة المشاركة، وأتاحت التعريف بالمبادرات والإنجازات والموروث الاجتماعي والثقافي، لكنها في الوقت نفسه أوجدت تحديات مهنية وأخلاقية تستحق الوقوف أمامها بجدية، خصوصًا مع تنامي بعض الحسابات والمنصات التي تتجاوز التوثيق والتعريف إلى صناعة صورة دعائية للأشخاص، أو تضخيم المكانة الاجتماعية، أو منح الألقاب والصفات دون معايير واضحة، أو تقديم محتوى ترويجي لا يدرك المتلقي دائمًا طبيعته أو أهدافه.

وليس الإشكال في المنصات التي تحمل أسماء قبائل أو أسر أو مناطق، ولا في الاعتزاز بالموروث والانتماء الاجتماعي؛ فهذه مكونات أصيلة في المجتمع السعودي، ولها مكانتها وقيمتها متى كانت عاملًا للتعارف والتراحم والتكافل وحفظ التاريخ وخدمة الوطن، إنما يبدأ الإشكال حين يتحول هذا الاعتزاز إلى خطاب للمفاضلة والمبالغة، أو منافسة على الألقاب والمكانة، أو صناعة رموز اجتماعية عبر كثافة الظهور والمديح، بصورة قد تقدم الانتماءات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

المملكة قامت على جمع الناس تحت راية وطن واحد وقيادة واحدة، وأصبح تنوع مناطقها وقبائلها وأسرها وموروثاتها مصدر ثراء وقوة داخل هذه الوحدة، وليس ميدانًا لإنتاج الحواجز أو استدعاء العصبيات والمفاضلات التي تجاوزها المجتمع والدولة منذ عقود.

ومن الظواهر التي تستحق الدراسة أن بعض المحتوى الاجتماعي لم يعد ينقل المناسبة كما حدثت فحسب، وإنما يصنع حولها قصة دعائية متكاملة؛ تصوير وإخراج ومديح وألقاب وعبارات مبالغ فيها، ثم إعادة نشر واسعة مدفوعة الثمن قد تمنح المتلقي انطباعًا بأن ما يشاهده يمثل حكمًا اجتماعيًا عامًا، بينما قد يكون في حقيقته محتوى ترويجيًا أو مدفوعًا أو قائمًا على علاقة شخصية أو مصلحة متبادلة.

هنا يبرز سؤال مهني وأخلاقي: هل يعرف المتلقي متى يشاهد مادة إعلامية، ومتى يشاهد إعلانًا أو دعاية أو محتوى ترويجيًا؟

التمييز بين هذه الأنماط أصبح ضرورة لحماية ثقة الجمهور، لأن الإنسان لا تصنع قيمته كاميرا، ولا ترفع مكانته عبارة دعائية، ولا يصبح كريمًا أو وجيهًا أو مؤثرًا لأن شخصًا قال ذلك أمام عدسة. المكانة الحقيقية تصنعها الأعمال والمواقف والسيرة التي يشهد بها المجتمع، وقد عرف تاريخنا الاجتماعي رجالًا ونساءً بقي ذكرهم لأن أعمالهم سبقت أسماءهم، وتناقل الناس مآثرهم دون حملات إعلامية أو صناعة دعائية.

كما أن اختزال قيم أصيلة مثل الكرم والنخوة والمروءة والوفاء في صور الولائم والمجالس والاستعراض البصري يظلم هذه القيم قبل أن يخدم أصحابها،فالكرم في ثقافتنا أعمق من مشهد مصور، والمروءة أكبر من لقب، وخدمة المجتمع لا تحتاج إلى شراء التصفيق أو استدعاء كلمات المديح،ومن حق الإنسان أن يفرح بضيوفه ويكرمهم ويوثق مناسباته، لكن الفارق كبير بين التوثيق الطبيعي وبين تحويل المناسبة إلى أداة لصناعة مكانة اجتماعية مصطنعة.

وتزداد أهمية المسألة عندما يكون المتلقي من الأجيال الجديدة التي لم تتشكل لديها بعد الأدوات الكافية للتمييز بين الخبر والرأي والإعلان والدعاية،فالتكرار يصنع الانطباع، وإذا تكررت أمام الشباب رسائل تربط المكانة الاجتماعية بكثرة الظهور، والوجاهة بعدد المشاهدات، والكرم بحجم الولائم، والتأثير بكثرة المادحين، فإننا نخشى أن تتغير تدريجيًا معايير القدوة والنجاح لديهم، وأن تصبح الصورة أعلى قيمة من العمل، والشهرة مقدمة على الإنجاز.

من هنا فإن المعالجة لا ينبغي أن تكون رقابية فقط، وإنما تربوية وإعلامية وثقافية متكاملة. وأرى أن مفهوم التربية الإعلامية والمعلوماتية يجب أن يأخذ مساحة أكبر في مدارسنا وجامعاتنا وجمعياتنا الثقافية والأدبية ومؤسساتنا الإعلامية؛ لأن المتلقي اليوم يحتاج إلى أن يتعلم كيف يسأل: من أنتج هذا المحتوى؟ ولماذا أنتجه؟ وما مصدر معلوماته؟ وهل ما أشاهده خبر أم رأي أم إعلان؟ وهل هناك مصلحة مادية أو شخصية وراء نشره؟ وهل الألقاب والمعلومات الواردة فيه موثقة؟ وكيف أتحقق قبل أن أصدق أو أعيد النشر؟

هذه الأسئلة البسيطة تبني عقلًا نقديًا، وهو أكثر قدرة على حماية المجتمع من التضليل من الاعتماد على المنع وحده. ولذلك يمكن للمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية إقامة ورش وبرامج تتناول التحقق من المعلومات، وأخلاقيات صناعة المحتوى، والإعلان الرقمي، والمسؤولية القانونية والأخلاقية للنشر، والتعصب ، وكيفية التعامل مع الأخبار والمعلومات المضللة.

وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا تفعل المظلات الإعلامية المهنية أمام هذا المشهد؟

إن اتساع تأثير الحسابات الفردية والاجتماعية لا ينبغي أن يقودنا إلى التضييق على التعبير المشروع، بل إلى تقوية البديل المهني؛ فالفراغ الإعلامي لا يبقى فارغًا،وكلما ابتعدت المؤسسات الإعلامية المهنية عن المجتمع ومناسباته وقضاياه المحلية، تقدمت حسابات قد لا تمتلك المعايير التحريرية نفسها، ولا أدوات التحقق، ولا الفصل الواضح بين المادة الإعلامية والإعلان والترويج.

لهذا تستطيع الصحافة الرقمية السعودية المرخصة أن تؤدي دورًا أكبر بوصفها شريكًا مهنيًا في المنظومة الإعلامية الوطنية، من خلال الحضور في المجتمع، وتغطية المناسبات والمبادرات بمهنية، وإبراز النماذج الجديرة بالتقدير استنادًا إلى الإنجاز الحقيقي، ومواجهة المعلومات المضللة بالحقائق، وإعطاء المجتمعات المحلية مساحة إعلامية مسؤولة بعيدًا عن المبالغة أو التهميش.

كما أن بناء شراكات بين المؤسسات الإعلامية والجامعات والجمعيات الثقافية والمؤسسات التعليمية يسهم في تدريب صنّاع المحتوى المحليين، وتعريفهم بأخلاقيات النشر والإعلان والخصوصية والتحقق من المعلومات، بحيث تصبح هذه الحسابات نفسها جزءًا من الحل بدل أن يُنظر إليها باعتبارها مشكلة في ذاتها.

ولا تعني الدعوة إلى معالجة هذه الظواهر المطالبة برقابة شاملة على كل ما ينشر، وإنما المطلوب بيئة رقمية تقوم على المسؤولية والشفافية والمهنية، وتطبيق الأنظمة عند وجود المخالفة، ووضوح طبيعة المحتوى الإعلاني والتجاري، ورفع مستوى الوعي لدى الجمهور، وتشجيع أصحاب المنصات والحسابات على تبني معايير أخلاقية ومهنية تحميهم وتحمي المتلقي في الوقت نفسه.

إن الرقابة الأكثر استدامة هي المتلقي الواعي القادر على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الإنجاز والاستعراض، وبين التقدير المستحق والمديح المصنوع.

والمجتمع السعودي بتنوع مناطقه وقبائله وأسره وموروثاته يمتلك ثروة اجتماعية وثقافية كبيرة ينبغي المحافظة عليها، لكن فوق هذه الانتماءات جميعًا تظل الهوية الوطنية هي المظلة الكبرى التي تجمعنا،ومن هنا تأتي مسؤولية الخطاب الإعلامي والاجتماعي في تعزيز المشتركات، واحترام التنوع، ورفض كل محتوى قد يؤدي إلى التعصب أو الانتقاص أو المفاضلات التي تضعف تماسك المجتمع.

فالمنصة التي تحمل اسم قبيلة أو منطقة أو أسرة تستطيع أن تكون نافذة معرفية وثقافية مهمة، توثق التاريخ والموروث، وتبرز المبادرات، وتشجع الشباب على العلم والعمل والتطوع وخدمة الوطن، وتصل الأجيال بتاريخ مجتمعها؛ لكنها تفقد جانبًا كبيرًا من رسالتها حين تتحول إلى سوق للألقاب والمدائح والمنافسة على الوجاهة الاجتماعية.

ولعل الوقت قد حان للانتقال من ملاحقة المحتوى بعد انتشاره إلى بناء المناعة الإعلامية قبل انتشاره، وهي مسؤولية تبدأ بالأسرة والمدرسة، وتمر بالجامعة والمؤسسة الثقافية والإعلامية، وتصل إلى صانع المحتوى والمتلقي نفسه،وهذا يستدعي برامج للتربية الإعلامية والمعلوماتية، وتدريبًا لصنّاع المحتوى، وتعزيزًا للصحافة المهنية، ووضوحًا أكبر في الإفصاح عن المحتوى الإعلاني، وتشجيع إنتاج المحتوى الذي يرسخ قيم المواطنة والمسؤولية والتكافل والاعتدال.

لان الهدف ليس إسكات الناس، وإنما رفع جودة الخطاب، وليس إلغاء المنصات الاجتماعية، وإنما مساعدتها على الانتقال من صناعة المديح والمبالغة إلى التوثيق والمعرفة وخدمة المجتمع، وليس الانتقاص من الاعتزاز بالقبيلة أو الأسرة أو المنطقة، وإنما التأكيد أن أجمل ما يمكن أن تقدمه هذه المكونات للوطن هو أبناؤها وبناتها العاملون المخلصون، وإنجازاتهم ومبادراتهم وأخلاقهم وخدمتهم لدينهم وقيادتهم ووطنهم.

وفي زمن أصبحت فيه الكاميرا في يد الجميع، لم تعد المسؤولية الإعلامية مسؤولية الصحفي وحده، فكل من ينشر أصبح شريكًا بدرجة ما في تشكيل الوعي العام، ولذلك فإن حماية اللحمة الوطنية لا تتحقق بكثرة المنع وحده، وإنما بوعي المجتمع، ومهنية الإعلام، وفاعلية التنظيم، وجودة التعليم، وحضور المؤسسات الثقافية.

ويبقى المعيار الذي ينبغي ألا نختلف عليه: الإنسان ترفعه أعماله ومواقفه، والوطن يجمعنا جميعًا، والإعلام المسؤول لا يصنع أمجادًا وهمية، وإنما يوثق الحقيقة، ويحمي الوعي، ويعزز الثقة، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.