الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ أغسطس-٢٠٢٦       11385

بقلم:ياسين سالم

لسنوات طويلة روّج الإعلام العراقي المحسوب على المحور الإيراني، ومعه آلة الدعاية الولائية، لكذبة كبرى تقول إن 5000 سعودي فجّروا أنفسهم في العراق بين عام 2003 ونهاية سيطرة داعش. رقم يُلقى بلا مصدر ولا وثيقة، ويُكرر ليل نهار حتى يتحول إلى حقيقة شعبية، بينما الحقائق الموثقة والدراسات الكمية تقول عكس ذلك تماماً.

 

ولتفكيك هذه الكذبة، يجب الفصل بين مرحلتين منفصلتين في تاريخ العنف الانتحاري في العراق، لكل مرحلة طبيعتها وإحصاءاتها المختلفة.

 

*أولاً: مرحلة الاحتلال والحرب الطائفية 2003 – 2010*

 

هذه هي المرحلة التي يُبنى عليها معظم التهويل الإعلامي. والمصدر الأساسي والأدق فيها ليس تغريدات ولا تصريحات سياسيين، بل الدراسات الكمية المحكمة.

 

دراسة مجلة The Lancet بالاعتماد على مشروع Iraq Body Count وثقت 1003 عمليات انتحارية بين آذار 2003 وكانون الأول 2010، قتلت 12284 مدنياً.

 

لكن ما هي جنسيات المنفذين؟ هنا بيت القصيد. الجنسيات لا تُستخرج إلا من الحالات التي عُرفت هويتها فعلاً، وهي أقلية من المجموع الكلي.

 

الباحث محمد حافظ في كتابه المرجعي Suicide Bombers in Iraq، وهو أهم دراسة كمية في هذا الملف، استطاع تحديد جنسية 124 منفذاً فقط من بين أكثر من ألف عملية. وكانت النتيجة بين المعروفين كالتالي:

 

السعودية: 53

العراق: 18

إيطاليا "غالباً مقيمون مغاربة أو تونسيون": 8

سورية: 8

الكويت: 7

الأردن: 4

ثم بلجيكا وفرنسا وإسبانيا وشمال أفريقيا وجنوب آسيا بأعداد صغيرة.

 

إذن حتى في ذروة تدفق المقاتلين الأجانب بعد الاحتلال، الرقم للسعوديين هو 53 شخصاً من أصل 124 حالة معروفة الهوية، وليس 5000. فأين ذهبت آلاف الأسماء الأخرى؟ لا وجود لها إلا في خيال الدعاية.

 

*ثانياً: مرحلة تنظيم الدولة حتى نهاية سيطرته 2013 – 2017*

 

هنا ينقلب المشهد تماماً، وهذا ما تتعمد الدعاية الولائية إخفاءه، لأنه أقرب إلى ما يُشاع عن غلبة المنفذين العراقيين.

 

دراسة تشارلي وينتر الصادرة عن المركز الدولي لمكافحة الإرهاب ICCT عام 2017، راجعت 923 عملية انتحارية أعلنها تنظيم الدولة نفسه بين كانون الأول 2015 وتشرين الثاني 2016. وكان استنتاجه الحاسم أن العمليات صارت في الغالب من منفذين محليين عراقيين ضد أهداف عسكرية، لا من أجانب ضد أسواق مدنية كما في سنوات الاحتلال الأولى.

 

في عينة وينتر، الأجانب لم ينفذوا إلا نحو 20% فقط من العمليات، والـ 80% الباقية نفذها عراقيون. وهذا ينسف من الأساس فكرة أن داعش كان تنظيماً سعودياً انتحارياً، بل يؤكد أنه كان تنظيماً عراقياً بامتياز في مرحلته الأخيرة، يقاتل بأبنائه.

 

*الضربة القاضية: شهادة وزير العدل العراقي على قناة دجلة*

 

لو سلمنا جدلاً بكل الأرقام الدعائية، فأين هم هؤلاء الآلاف على الأرض؟

 

تصريح وزير العدل العراقي خالد شواني نفسه على قناة دجلة "مقابلة 27 آب 2025 مع زينب ربيع" نوّه بوجود 9 أو 8 سجناء سعوديين فقط في السجون العراقية، منهم اثنان محكومان بالإعدام والبقية بين المؤبد و15 سنة، وقال بالنص إن السعوديين المحكومين بالإرهاب في العراق لا يتجاوزون 10 أشخاص، وهناك 1700 أجنبي محكوم بالإعدام في العراق.

 

تسعة سجناء فقط. لو كان هناك 5000 انتحاري، أين آلاف الجثث، وأين آلاف الاعترافات، وأين آلاف السجناء؟

 

الحقيقة الحسابية البسيطة التي تهدم السردية الولائية هي كالتالي: لو جمعت كل السعوديين الذين حددتهم الدراسات الموثقة في المرحلة الأولى، وهم 53 شخصاً، مع كل السجناء السعوديين الموجودين حالياً وهم 9، وحتى لو أضفت هامشاً للذين لم تُعرف هويتهم، فإن المجموع الكلي لا يتجاوز 80 شخصاً في أقصى تقدير متساهل.

 

80 شخصاً مقابل كذبة 5000. الفارق هو حجم التزوير والدعاية.

 

*ومع ذلك، وحتى لو صحت هذه التقارير المحدودة، يجب توضيح حقيقة مهمة*

 

نحن نرفض بشكل قاطع كل عمل يضر بالآخرين ويستهدف الأبرياء، أياً كان منفذه. وهؤلاء السعوديون القلائل الذين ذهبوا، إن صحت التقارير بشأنهم، هم في الحقيقة من المغرر بهم فكرياً، جرى تدريبهم وتمويلهم من قبل تنظيمات تتبع جهات استخباراتية تقف إيران على تمويلها ودعمها كالميليشيات والشبكات التي كانت تدير خطوط التهريب والتجنيد.

 

إنهم مجرد شباب مندفع ومغرر به، خرج دون علم الدولة السعودية، وسافر بصورة سياحية إلى دول حدودية مع العراق مثل سوريا وتركيا، ثم تسلل من هناك إلى الداخل العراقي عبر شبكات التهريب التي كانت تدار وتُمول من نفس المحور الذي يتباكى اليوم ويتاجر بدماء الضحايا.

 

إن سردية الـ 5000 انتحاري لم تكن إحصاءً أمنياً في يوم من الأيام، بل كانت سلاحاً طائفياً. سلاحاً استخدمه الإعلام الولائي لتبرير جرائم الميليشيات، وللتغطية على حقيقة أن من فجر الأسواق في 2006-2007 ومن ذبح على الهوية كان خليطاً من جنسيات عديدة، ثم لاحقاً أصبح تنظيماً عراقياً محلياً، ولتحويل الأنظار عن الدور الإيراني في إغراق العراق بالمتفجرات والمستشارين.

 

*الأرقام لا تكذب، لكن الدعاية تفعل*.