الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ أغسطس-٢٠٢٦       23595

بقلم ـ الشيخ محمد احمد المالك الصباح 

في زمن تتسارع فيه الأزمات، وتقترب فيه المخاطر من حدود الدول وممرات التجارة ومصادر الطاقة، تأتي اتفاقية مكة للدفاع المشترك بوصفها رسالة رؤية لا رسالة مواجهة: رؤية تؤمن بأن السلام لا يصان بالتمني وأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة تقلبات الآخرين.

 

اختيار مكة المكرمة يحمل معنى يتجاوز البعد الجغرافي والسياسي فمن جوار البيت الحرام، حيث يجتمع المسلمون من مختلف الشعوب والأعراق، انطلقت فكرة تقول إن الاختلاف لا يمنع الشراكة، وإن المصالح المشتركة يمكن أن تتحول إلى قوة تحمي الاستقرار وتحفظ الكرامة والسيادة

إنها رؤية سعودية تستند إلى أن المنطقة لا تحتاج إلى محاور متصارعة، بل إلى شراكات مسؤولة لا تحتاج إلى سباق تسلح، بل إلى قدرات دفاعية رادعة تمنع الحرب قبل أن تبدأ فالغاية من التعاون الدفاعي ليست التصعيد، بل بناء قدرة مستدامة لحماية الدول والشعوب وصون استقرارها.

كل ذي بصيره يرى أن الخطر الداهم اليوم ليس اسماً واحداً ولا دولة بعينها بل هو اتساع دائرة الصراعات وتهديد الملاحة البحرية واضطراب ممرات التجارة والطاقة وتصاعد الهجمات العابرة للحدود ومحاولات استغلال الفراغ الأمني لنشر الفوضى والإرهاب

وفي عالم تتبدل فيه التحالفات وتتعرض فيه المصالح الوطنية للاختبار يصبح التعاون الدفاعي ضرورة لا ترفا فالدولة القوية تحمي نفسها لكن الدول المتعاونة تستطيع حماية فضائها المشترك وصون اقتصاداتها ومجتمعاتها ومقدساتها من ارتدادات الأزمات

إن اتفاقية مكة ينبغي أن تقرأ كباب مفتوح أمام كل دولة إقليمية تؤمن بالسلام والسيادة وعدم التدخل وحسن الجوار فالانضمام إلى روح هذه الرؤية لا يعني الاصطفاف ضد أحد بل يعني الاصطفاف مع أمن الشعوب وحماية الحدود واستقرار الاقتصاد وحرية الملاحة ورفض أن تكون المنطقة ساحة دائمة للنزاعات بالوكالة

إن المملكة بثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها الإسلامية تقدم نموذجا لشراكة لا تقوم على الإملاء، بل على المصالح المتبادلة والالتزام المشترك ووجود تركيا بما تملكه من خبرات دفاعية، وباكستان بما تمتلكه من قدرات عسكرية وبشرية، يبرز أن تنوع الإمكانات يمكن أن يتحول إلى تكامل حقيقي في خدمة الأمن والاستقرار

 

لا تدعو اتفاقية مكة إلى الحرب بل إلى منعها ولا تقوم على الخوف بل على الاستعداد ولا تستهدف عزل أي طرف بل تدعو إلى توسيع دائرة الاستقرار إنها دعوة لبناء أمن جماعي يحمي السيادة ويرسخ السلام ويفتح الطريق أمام مستقبل أكثر ازدهارا لشعوب المنطقة

 

حين تتوحد الإرادة يصبح الردع حماية وحين تتكامل القدرات يصبح السلام خيارا أقوى من الفوضى