الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ أغسطس-٢٠٢٦       2695

بقلم - د. علي بن عالي السعدوني

لم تكن الدورة السادسة والأربعون من مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره مجرد موعد قرآني يتكرر في سجل المسابقات الدولية، ولا مناسبة عابرة تنتهي بإعلان أسماء الفائزين وإسدال الستار على منافساتها بل كانت مشهدًا سعوديًا واسع الدلالة اجتمع فيه شرف المكان بعظمة الرسالة وحسن التنظيم وامتداد الأثر حتى بدا القرآن الكريم وهو يجمع في رحاب المملكة أصواتًا قادمة من جهات الأرض المختلفة تحمل في صدورها كلام الله، وتلتقي تحت راية وطن جعل خدمة القرآن الكريم جزءًا أصيلًا من هويته، ومكوّنًا راسخًا من رسالته، ومسؤوليةً دينية وحضارية لا تتغير بتغير الأزمنة ولا تتراجع أمام تحولات العالم.

وحين نتأمل هذا النجاح الكبير، ونقرأ أرقامه بعيدًا عن كونها أرقامًا ثابتة تُذكر في البيانات ثم تنتهي دلالتها بانتهاء المناسبة، فإننا نكتشف حجم المسافة التي قطعتها المسابقة حتى أصبحت واحدة من أبرز المنصات القرآنية الدولية، فقد اجتمع في دورتها السادسة والأربعين 334 متسابقًا ومتسابقة يمثلون 133 دولة، وهي مشاركة تحمل وراء كل رقم منها حكاية وطن جاء منه حافظ أو حافظة، وأسرة دفعت بابنها أو ابنتها إلى طريق القرآن، ومجتمعًا مسلمًا رأى في المملكة المكان الذي تلتقي عنده أصوات الحفظة من القارات والثقافات واللغات المختلفة بينما بلغت الجوائز الإجمالية 10.26 مليون ريال، وهي الأعلى في تاريخ المسابقة في دلالة تتجاوز القيمة المادية للجائزة إلى معنى أوسع يتمثل في تقدير أهل القرآن، والاحتفاء بمن أفنوا أعمارهم في حفظ آياته وتدبر معانيه وإتقان تلاوته.

وفي قلب هذا المشهد تقف عناية القيادة الرشيدة بوصفها الأصل الذي تستند إليه هذه المسيرة، فدعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ومساندة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ـ حفظهما الله ـ لم يكونا مجرد رعاية رسمية لمناسبة دينية، وإنما امتدادًا لنهج سعودي عميق تشكل منذ تأسيس هذه البلاد على تعظيم كتاب الله وخدمته ونشره والعناية بحفظته حتى غدت المملكة في وجدان المسلمين مرتبطة بالحرمين الشريفين، وخدمة ضيوف الرحمن، وطباعة المصحف الشريف، وتعليم القرآن، ورعاية المسابقات القرآنية، ومد الجسور مع المسلمين في أنحاء العالم من خلال رسالة دينية تقوم على الاعتدال والوسطية وإعلاء القيم التي جاء بها الكتاب الكريم.

ولعل من أجمل ما حملته هذه الدورة، وما منحها بعدًا تاريخيًا مختلفًا استحداث قسم مستقل للإناث لأول مرة، وهو تحول لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إضافة تنظيمية فحسب بل باعتباره توسيعًا لأفق المسابقة ورسالتها، وفتحًا لمساحة جديدة أمام حافظات كتاب الله في العالم ليكنّ جزءًا من هذا المحفل القرآني الكبير في خطوة تؤكد أن التطوير الحقيقي لا يهدم هوية المناسبة ولا يبدل رسالتها، وإنما يمنحها قدرة أكبر على الوصول، ويجعلها أكثر اتساعًا في احتضان الطاقات القرآنية، وأكثر حضورًا في واقع المجتمعات الإسلامية التي تزخر بحافظات وقارئات ومتميزات يستحققن أن يجدن المنصة التي تليق بما يحملنه في صدورهن من كلام الله.

غير أن الرعاية مهما عظمت تحتاج إلى مؤسسة تعرف كيف تحوّلها إلى عمل، وكيف تنقل التوجيه من فضاء الفكرة إلى تفاصيل التنفيذ، وفي هذا تظهر وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بوصفها الذراع التنظيمية التي حملت مسؤولية هذا الحدث، وعملت على أن تكون الصورة النهائية للمسابقة بمستوى اسمها ومكانها وضيوفها ورسالتها، فلم يكن النجاح محصورًا في منصة التتويج أو لحظة إعلان النتائج، وإنما بدأ قبل وصول المتسابقين، واستمر في استقبال الوفود وإسكانهم وتهيئة المواقع وإدارة المنافسات واختيار لجان التحكيم وتطوير منظومة التحكيم الإلكتروني وإعداد البرامج الثقافية والزيارات المصاحبة وتوسيع التغطية الإعلامية، وهي تفاصيل قد لا يراها المشاهد وهو يتابع قارئًا يتلو أو فائزًا يصعد إلى منصة التكريم، لكنها في الحقيقة البنية الخفية التي يقف عليها أي نجاح مؤسسي كبير.

وفي هذا السياق برزت متابعة معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ الذي لم يتعامل مع المسابقة بوصفها ملفًا موسميًا يُدار بالإجراءات المعتادة، وإنما بوصفها واجهة من واجهات المملكة ورسالة تصل من مكة المكرمة إلى العالم الإسلامي، فكانت متابعته لمراحل الإعداد والتنظيم، وحرصه على تطوير الجوانب التحكيمية والإعلامية، واهتمامه بتوفير الخدمات للمتسابقين والمتسابقات ومرافقيهم جزءًا من رؤية إدارية تدرك أن الضيف القادم للمشاركة في مسابقة تحمل اسم الملك عبدالعزيز لا يعود إلى وطنه حاملًا نتيجة المنافسة وحدها، وإنما يعود حاملًا صورةً عن المملكة، وعن مؤسساتها، وعن طريقة استقبالها لأهل القرآن، وعن مقدار العناية التي تمنحها لمن جاء إليها وفي صدره آيات من كتاب الله.

وفي هذا تكمن براعة التنظيم، فالمسابقات الكبرى لا تُقاس بعدد المقاعد ولا بحجم القاعات ولا بكثرة الشعارات التي تملأ المشهد، وإنما تُقاس بقدرتها على صناعة تجربة متكاملة يشعر فيها المشارك بأنه محور الاهتمام، ويشعر فيها المتابع بأن التفاصيل الصغيرة قد أُنجزت بعناية التفاصيل الكبيرة نفسها، ولذلك فإن إسكان الوفود بالقرب من المسجد الحرام، والعناية بمقار المنافسات، والاستعانة بلجان تحكيم دولية متخصصة، وتوظيف التقنية في منظومة التحكيم، وتنظيم البرامج الثقافية والزيارات المصاحبة ليست أعمالًا متفرقة اجتمعت مصادفةً تحت اسم المسابقة، وإنما حلقات في سلسلة تنظيمية واحدة أرادت أن تقول للمتسابق منذ لحظة وصوله وحتى لحظة مغادرته إنك ضيف القرآن في أرض الحرمين، وإن المكان يعرف قيمة ما جئت من أجله.

أما الحضور الدولي الواسع الذي بلغ 133 دولة، فإنه يفتح أمامنا قراءة أخرى تتجاوز حدود المنافسة إلى ما يمكن تسميته بالدبلوماسية القرآنية السعودية، فالقرآن في هذا يصنع مساحة لقاء لا تحتاج إلى مترجم سياسي، ويجمع شعوبًا قد تختلف في اللغة والجغرافيا والعادات والتقاليد لكنها تتفق أمام النص الواحد والقبلة الواحدة والكتاب الواحد، وحين تستضيف المملكة هذا التنوع الإنساني والإسلامي في رحاب مكة المكرمة فإنها لا تنظم مسابقة فحسب، وإنما تبني جسورًا وجدانية وثقافية عميقة مع المجتمعات الإسلامية جسورًا يحملها المتسابقون معهم حين يعودون إلى أوطانهم، ويروون لأسرهم ومجتمعاتهم ما شاهدوه من عناية واستقبال وتنظيم وتقدير.

ولذلك فإن النجاح الباهر لهذه الدورة لا يمكن اختزاله في رقم قياسي للمشاركين، ولا في قيمة مالية هي الأعلى في تاريخ المسابقة، ولا في إضافة فرع جديد، ولا في حضور إعلامي واسع؛ لأن النجاح الحقيقي هو اجتماع هذه العناصر جميعًا في صورة واحدة حين تتحول الرعاية السياسية إلى دعم، ويتحول الدعم إلى تخطيط، ويتحول التخطيط إلى تنظيم، ويتحول التنظيم إلى تجربة إنسانية ثم تتحول تلك التجربة إلى صورة وطنية تسافر مع مئات المشاركين إلى عشرات الدول، وفي هذا يصبح الإنجاز أبعد أثرًا من أيام المسابقة نفسها، وأعمق دلالة من منصة التتويج، وأكثر بقاءً من الخبر الإعلامي الذي يُنشر ثم يغادر واجهة الأخبار.

إن المملكة حين تخدم القرآن الكريم لا تبحث عن مناسبة تضيفها إلى سجل مناسباتها؛ لأنها تحمل شرفًا أعظم من ذلك بكثير فهي البلاد التي تحتضن الحرمين الشريفين، ومنها انطلقت رسالة الإسلام إلى الآفاق، وعلى أرضها يفد المسلمون من كل فج عميق، ولذلك تبدو مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية امتدادًا طبيعيًا لهذه المكانة، وصوتًا من أصوات الرسالة السعودية التي تخاطب العالم الإسلامي بالفعل قبل القول، وتقول إن خدمة القرآن ليست شعارًا يرفع في المناسبات، وإنما مؤسسات تعمل، وميزانيات تُسخّر، وكفاءات تُستقطب، وتقنيات تُطور، ووفود تُكرم، وحفظة يُحتفى بهم، ورسالة تستمر عامًا بعد عام وجيلًا بعد جيل.

لقد انتهت منافسات الدورة السادسة والأربعين، وأُعلنت النتائج، وعُرفت أسماء الفائزين والفائزات، لكن المعنى الأكبر لم ينتهِ، لأن أجمل ما في هذه المسابقة ليس فقط أن يعود الفائز إلى وطنه بجائزته، وإنما أن يعود كل مشارك وفي ذاكرته شيء من مكة، وفي وجدانه شيء من المملكة، وفي حديثه لأهله صورة وطن احتفى به لأنه يحمل القرآن، وحين تستطيع مسابقة أن تصنع هذا الأثر، فإنها تكون قد تجاوزت حدود المنافسة إلى صناعة الذاكرة، وتجاوزت منصة التكريم إلى بناء الصلة، وتجاوزت الرقم إلى الإنسان.

وهكذا صنعت رعاية القيادة الرشيدة، وجهود وزارة الشؤون الإسلامية، ومتابعة معالي الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، وعمل اللجان والكوادر التنظيمية والفنية والإعلامية دورةً استثنائية تستحق أن تُقرأ بوصفها نجاحًا وطنيًا قبل أن تكون نجاحًا تنظيميًا؛ لأن خلف كل تفصيل فيها معنى يقول إن المملكة التي شرّفها الله بخدمة الحرمين الشريفين ستبقى بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين ـ حفظهما الله ـ، تحمل القرآن في قلب رسالتها، وتكرم أهله، وتجمع حفظته، وتنشر قيمه، وتفتح من مكة المكرمة نافذةً من نور تمتد إلى العالم كله.

فالمسابقة انتهت في أيامها، ولكن رسالتها لا تنتهي، والفائزون غادروا بمنجزاتهم، ولكن أثرهم بقي، والوفود ستعود إلى أوطانها، ولكن المملكة ستظل في ذاكرتهم المكان الذي اجتمعوا فيه لا على لغة ولا جنس ولا جغرافيا، وإنما على كلام الله، وتلك وحدها حكاية نجاح أكبر من كل الأرقام.