الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ مايو-٢٠٢٦       2035

بقلم- جمعان الكرت

استعاد سوق رغدان التاريخي شيئًا من وهجه القديم في المهرجان الذي نظمته جمعية رغدان للتنمية والخدمات الاجتماعية في نهاية صيف العام الماضي  وتقديرًا  لدورهم كرمت جميع المشاركين والداعمين والمنظمين لفعاليات مهرجان سوق رغدان التاريخي، الذي حقق نجاحًا لافتًا،حيث شهد إقامة فعاليات شعبية وثقافية وأسرية متنوعة في أجواء صيفية جميلة، وبحضور كثيف من الزائرين وأبناء المنطقة.
وقد تميز المهرجان بتنوع برامجه، حيث شارك عدد من الشعراء الشعبيين الذين أجزلوا اللفظ وأبانوا المعنى في قصائدهم، مستحضرين المكانة التاريخية لسوق رغدان ودوره المحوري في حركة البيع والشراء قديمًا، فضلًا عن استذكار الأحداث التاريخية التي شهدها السوق، ومن أبرزها حادثة مقتل أحمد باشا في جنباته، وما تركته من شواهد تاريخية، 
من ملامح الذاكرة الشعبية التنظيم الدقيق الذي كان يُدار به السوق في الماضي، من خلال العقود والمواثيق التي يلتزم بها مرتادوه، والتي لم يكن يُسمح بمخالفة أي شرط من شروطها، الأمر الذي منح المهرجان نافذة تاريخية أعادت للأذهان صورة السوق كما كان قبل عقود طويلة من الزمن.
وكأن المهرجان لم يكن فعالية عابرة، بل محاولة أنيقة لاسترداد الزمن الجميل، وإعادة بعث روح السوق الذي كان يومًا ملتقى الباعة والمشترين والأخبار والحكايات، حيث كانت التجارة تسير جنبًا إلى جنب مع القيم، 
وهنا نسجل الشكر والثناء لداعمي هذا المهرجان من رجال الأعمال: الشيخ مشرف آل طاوي، والشيخ سعيد آل طاوي، والدكتور صالح آل طاوي، الذين قدموا دعمًا ماليًا ومعنويًا كان له بالغ الأثر في نجاح مهرجان سوق رغدان التاريخي، في تناغم وتكامل مع الجهود التنظيمية المخلصة التي بذلها القائمون على جمعية رغدان، إذ عملوا بروح الفريق الواحد ليخرج المهرجان بالصورة المشرّفة التي تليق بتاريخ المكان وقيمته التراثية.
كما لا يفوتنا الإشادة بأبناء رغدان الأوفياء الذين هبّوا للمشاركة بالفعل والرأي، وأسهموا في إنجاح الفعالية، بل وأتاح بعضهم منازلهم لتكون مزارات تراثية تعكس ملامح الحياة القديمة، في صورة تجسد روح الانتماء والوفاء للمكان. وكان للشيخ هاشم بن عبدالرحمن آل عدنان، شيخ قبيلة بن خثيم، دور بارز وحضور فاعل، إذ كانت له اليد الطولى في المؤازرة والمتابعة والمشاركة المباشرة في تفاصيل العمل؛ إدراكًا منه لأهمية هذا المشروع التراثي والتاريخي والاجتماعي.
وجاءت هذه السانحة التكريمية التي أقامتها الجمعية قبل أمس احتفاءً بكل المشاركين والداعمين، إيمانًا بأن النجاح ـ أي نجاح ـ لا يتحقق إلا بروح العمل الجماعي وتكاتف الجهود.
ونحن اليوم نتطلع إلى استمرارية هذه الفعالية النوعية، بمشاركة أكبر من رجال الأعمال والجهات الحكومية؛ لما تحققه من أهداف ثقافية واجتماعية واقتصادية نافعة، فهي لا تقدم ملمحًا تاريخيًا للمنطقة فحسب، بل تفتح المجال أمام الأسر المنتجة لتسويق منتجاتها وجني ثمار جهدها وكدحها، إلى جانب ما تمنحه لمرتادي السوق من لحظات بهجة واحتفاء بالتراث، خاصة مع أهازيج العرضة الجنوبية التي تضفي على المكان روحًا من الفرح والانتماء.
لم يكن سوق رغدان التاريخي مجرد مساحة تعبرها الخطى أو تلتقي فيها الوجوه؛ بل كان ـ وما يزال ـ ذاكرةً ، يروي للأجيال حكاية المكان حين كانت القلوب أكثر قربًا، والبيوت أكثر دفئًا، والوجوه تحفظ أسماء بعضها بعضًا. هناك، في تفاصيل الطرقات ونبض الحجارة وصدى الخطوات القديمة، ينهض التاريخ من سباته كشيخ وقور يروي سيرة الأيام، فتتعانق الذاكرة مع الحاضر في مشهدٍ تتجدد فيه الألفة، ويعود التراث ليقول كلمته: إن الأمم التي تحفظ ذاكرتها، تحفظ ملامح مستقبلها أيضًا.

تحية تقدير لكل من أسهم في إنجاح هذه الفعالية، دعمًا وتنظيمًا ومشاركة، فالمكان يزدهر بأهله، والتراث يبقى حيًا حين يجد من يصونه ويحتفي به.