الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ أغسطس-٢٠٢٦       28710

بقلم - تركي عبدالرحمن البلادي

تأتي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى الجمهورية الفرنسية في توقيت إقليمي ودولي بالغ الأهمية، بما يمنحها أبعادًا تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، ويجعلها محطة سياسية واستراتيجية مهمة في مسار الشراكة بين الرياض وباريس فالزيارة تأتي والمنطقة تشهد تحولات متسارعة، وتوازنات جديدة، وملفات مفتوحة تحتاج إلى تفاهم بين الدول القادرة على التأثير في مسار الأحداث وصناعة الحلول

 

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات السعودية الفرنسية تطورًا واضحًا، وانتقلت إلى مستوى أكثر عمقًا من التعاون الاستراتيجي، حيث اتسعت مجالات الشراكة لتشمل الاستثمار والطاقة والدفاع والتقنية والذكاء الاصطناعي والثقافة والسياحة والصناعات المتقدمة كما تفتح رؤية السعودية 2030 آفاقًا واسعة أمام الاستثمارات والشركات الفرنسية، في ظل التحول الاقتصادي الكبير الذي تشهده المملكة، وحرصها على بناء شراكات نوعية مع الاقتصادات الكبرى على أساس المصالح المتبادلة ونقل المعرفة وتوطين التقنية.

 

وتكتسب الزيارة أهمية إضافية عند قراءة المكانة التي وصلت إليها المملكة اليوم فالسعودية قوة سياسية واقتصادية مؤثرة، وتمتلك في الوقت ذاته قدرات عسكرية ودفاعية متقدمة، مدعومة بمنظومات جوية وصاروخية حديثة، وبرامج متسارعة لتطوير الصناعات العسكرية وتوطينها ورفع جاهزية القوات المسلحة وهذه القوة الدفاعية، إلى جانب الثقل الاقتصادي والسياسي للمملكة، عززت موقع الرياض طرفًا رئيسيًا في معادلات أمن الخليج والبحر الأحمر والشرق الأوسط، وشريكًا محوريًا في أي ترتيبات أمنية إقليمية جادة.

 

ويأتي الملف السوري في مقدمة القضايا المهمة في هذا السياق فسوريا تقف أمام مرحلة مفصلية تتطلب دعمًا سياسيًا واقتصاديًا يحافظ على وحدة أراضيها وسيادتها، ويعزز مؤسسات الدولة، ويمنع عودة البلاد إلى دوامة الفوضى والانقسام وللمملكة دور عربي مهم في دعم استقرار سوريا وإعادتها إلى محيطها الطبيعي، بما يحقق تطلعات الشعب السوري، ويعزز أمن المنطقة، ويحد من التدخلات التي حولت سوريا سنوات طويلة إلى ساحة للصراع الإقليمي والدولي.

 

ويمكن للتنسيق السعودي الفرنسي أن يسهم في دعم التعافي السوري، وتشجيع إعادة الإعمار، ومكافحة الإرهاب والتطرف، وتهيئة الظروف التي تساعد سوريا على استعادة دورها العربي والدولي فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى دولة سورية مستقرة وموحدة وقادرة على حماية سيادتها ومؤسساتها، بعيدًا عن صراع النفوذ والجماعات المسلحة، وهو ما يجعل الملف السوري أحد المسارات المهمة في أي حوار سعودي فرنسي حول مستقبل المنطقة.

 

أما لبنان، فيحمل أهمية خاصة في الحسابات السعودية الفرنسية، نظرًا إلى العلاقات التاريخية والسياسية التي تربط فرنسا بلبنان، وإلى الثقل العربي والاقتصادي والسياسي الذي تمثله المملكة ومن هنا تبرز أهمية دعم الرئاسة والحكومة والجيش اللبناني، وتعزيز قدرة الدولة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وحماية قرارها الوطني وسيادتها، واستعادة الثقة بينها وبين محيطها العربي والدولي.

 

ويظل حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز المؤسسات الشرعية من أهم ركائز استقرار لبنان فالدولة القوية هي وحدها القادرة على حماية حدودها، ومنع التدخلات الخارجية، وإعادة بناء الاقتصاد، وتهيئة المناخ لعودة الاستثمارات كما أن استقرار لبنان يمثل جزءًا أساسيًا من استقرار المشرق العربي، ولذلك فإن أي تفاهم سعودي فرنسي بشأنه يمكن أن يسهم في دعم الدولة اللبنانية واستعادة دور مؤسساتها

 

وتمتد أبعاد الزيارة كذلك إلى أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية، إضافة إلى إيران ومستقبل التوازنات الأمنية في المنطقة وهي قضايا ترتبط بأمن الطاقة وحركة التجارة العالمية، وتمنح التنسيق السعودي الفرنسي وزنًا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى حسابات إقليمية ودولية أوسع

 

إن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا تعكس المكانة المتقدمة التي تحتلها المملكة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وتؤكد أن الرياض تتحرك اليوم بثقة من موقع الشريك المؤثر القادر على المساهمة في صياغة مستقبل المنطقة إنها شراكة تقوم على المصالح المتبادلة والاستقرار والتنمية والسلام، وتستند إلى دولة ذات اقتصاد قوي، وقرار سياسي فاعل، وقدرات دفاعية متقدمة تحمي مصالحها وتعزز حضورها ومكانتها على الساحتين الإقليمية والدولية.