الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ أغسطس-٢٠٢٦       2255

بقلم ـ أ. د عدنان مهنا

لا يبدأ العام الدراسي الجديد بالكتب والواجبات وحدها، بل يبدأ قبل ذلك بمشاعر الطلاب والطالبات، وبالطريقة التي يُستقبلون بها في يومهم الأول. فكلما حرصت المدرسة على توفير بيئة آمنة ودافئة، ساعدت أبناءنا وبناتنا على خوض تجربتهم الجديدة بثقة واطمئنان.

فاليوم الأول في المدرسة ليس مجرد موعد للدرس، بل هو لحظة نفسية وتربوية فارقة تتشكل خلالها علاقة الطفل بالمكان، وبالمعلم، وبزملائه، وربما بالتعليم كله. ومن هنا تأتي أهمية الهدوء واللطف وحسن الاستقبال، إلى جانب الصبر والاحتواء واحترام مشاعر الأطفال، لمساعدتهم على تجاوز رهبة البداية.

إن شعور الطلاب بالأمان وقدرتهم على التكيف الاجتماعي لا يقلان أهمية عن التحصيل الدراسي؛ فهما يساعدان الطفل على تحقيق التوازن بين متطلبات البيئة المدرسية الجديدة واحتياجاته النفسية والعاطفية. كما يسهم الاحتواء في خفض قلق الانفصال عن الوالدين، ويعين الطفل على تقبّل روتين اليوم الدراسي، وبناء صداقات جديدة، والتفاعل الإيجابي مع معلميه وزملائه، والشعور بأنه جزء مقبول وآمن من المجتمع المدرسي.

يساعد الدفء العاطفي في المدرسة على تخفيف القلق، وتعزيز شعور الطفل بالانتماء، وتهيئته للتعلم والتفاعل مع الآخرين. ولذلك ينبغي أن يقوم التعامل مع الطلاب والطالبات، ولا سيما في الأيام الأولى، على الرحمة والصبر والتفهّم.

فالطفل الذي يدخل المدرسة لا يحمل حقيبته وكتبه فقط، بل يحمل مشاعر متباينة من الفرح والخوف والترقّب، إلى جانب أسئلة كثيرة عن المكان الجديد ومن فيه. وهنا يبرز دور المعلم والمعلمة؛ فابتسامة صادقة قد تبدّد خوفًا، وكلمة طيبة قد تمنح الطفل شعورًا بالأمان، واستقبال حسن قد يجعله يرى المدرسة مكانًا مألوفًا ومحبّبًا.

إن طريقة تعاملنا مع الطلاب والطالبات تعكس احترامنا لهم وحرصنا على سلامتهم النفسية. فالسلوك التربوي رسالة واضحة تؤكد أن المدرسة مكان للتعلم والنمو، لا للخوف أو الإهانة.

ويتحقق ذلك بالعدل في التعامل، واختيار الكلمات المناسبة، والاستماع إلى الطلاب، وتجنّب السخرية والقسوة والمقارنة بينهم. فالطفل قد لا يتذكر دائمًا ما قيل له، لكنه يتذكر طويلًا كيف جُعل يشعر؛ يتذكر من استقبله بابتسامة، ومن طمأنه بصوته، ومن ناداه باسمه باحترام، ومن جعل الفصل مكانًا يشعر فيه بالأمان.

ينبغي أن يكون التعامل المدرسي في الأيام الأولى منظمًا وهادئًا، ومراعيًا للاحتياجات النفسية والاجتماعية للطلاب؛ فالبداية الجيدة قد تؤسس لعام دراسي مستقر، بينما قد تترك البداية القاسية أثرًا سلبيًا في علاقة الطفل بالمدرسة.

وتتطلب هذه المرحلة وعيًا من المعلمين والمعلمات بأهمية الصحة النفسية، وحرصًا على نشر الاحترام والتعاون، ومساعدة الطلاب على بناء علاقات إيجابية مع زملائهم ومعلميهم. كما تتطلب منحهم الوقت الكافي للتعرّف إلى البيئة المدرسية، وفهم أنظمتها، والتدرّب على روتينها اليومي دون ضغط أو استعجال.

وما أجمل أن يدخل الطفل مدرسته في يومه الأول، فيجد من يقول له بالكلمة والسلوك والابتسامة: أنت هنا في أمان، ونحن سعداء بوجودك.

فالتعليم لا يقتصر على تقديم المعلومات، بل يشمل بناء الإنسان، وتنمية شخصيته، ومساعدته على التعلم والتفاعل مع الآخرين بثقة وطمأنينة.

ولعل أبلغ ما يختصر مكانة المعلم ورسالته ذلك البيت الخالد:

أرأيتَ أفضلَ أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئُ أنفسًا وعقولًا

ففي اليوم الأول للمدرسة، لنجعل الأمان يسبق التعليم، والاحترام يمهّد للمعرفة، والطمأنينة تساعد على التحصيل؛ لأن الطفل حين يشعر بالراحة في المكان، ويثق بمن حوله، يصبح أكثر استعدادًا لأن يتعلم وينتمي ويبدع.