الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ أغسطس-٢٠٢٦       2530

بقلم _ عبد المحسن بن محمد الحارثي

الحكمة ضالّة المؤمن، وهي الواجهة الأولى للعقل. فما العقل إن لم يُحسن التمييز؟ وما المعرفة إن لم تهدِ صاحبها إلى الصواب؟

 

منذ أن خلق الله آدم، وميّزه بالعقل، بدأت الحكاية الأولى للحكمة. لم يكن العقل مجرد أداة لفهم الأشياء، بل كان الباب الذي دخل منه الإنسان إلى الوعي والسؤال والاختيار؛ فالوجود أيقظ الوعي، والوعي أنجب السؤال، والسؤال حرّك العقل، والعقل منح الإنسان الاختيار، ومن الاختيار بدأت المسؤولية.

 

ولعل قصة آدم وزوجه تختصر جانبًا عظيمًا من هذه الرحلة؛ فقد وقع الاختيار، ثم وقع الخطأ، ثم جاء الوعي به، ثم التوبة والهداية. قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾.

 

وهنا تتجلى حكمة بالغة: الخطأ ليس دائمًا نهاية الطريق؛ فقد يكون بدايته حين يتحول إلى وعي. فالإنسان لا يُقاس بأنه لم يخطئ، وإنما بأنه تعلّم مما أخطأ، وعرف كيف يعود.

 

ومنذ ذلك الحين ؛ لم تتوقف رحلة العقل ، تجربة تولد من تجربة، وسؤال يفتح سؤالًا، ومعرفة تنضج حتى تصبح حكمة. ولهذا لم تكن  الحكمة  بنت عصر، ولا أسيرة مكان؛ لأنها تتعلق بجوهر الإنسان، لا بشكل حياته.

 

تغيّرت الحضارات، وتبدّلت الدول، وتطورت الأدوات، وانتقل الإنسان من المشي إلى الطائرة، ومن الرسالة الورقية إلى الاتصال اللحظي، ومن الكتاب إلى الذكاء الاصطناعي؛ لكنه ظل يواجه الأسئلة الكبرى نفسها: كيف أختار؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ وأي أثر أتركه؟

 

تغيّر وجه الحياة، ولم يتغيّر جوهر السؤال.

 

وهنا تظهر المسافة بين المعرفة والحكمة.

 

المعلومة تخبرك، والمعرفة توسّع فهمك، والذكاء يزيد قدرتك؛ أما  الحكمة  فتسألك السؤال الأصعب:

 

هل ما أستطيع فعله هو بالضرورة ما ينبغي أن أفعله؟

 

قد تعرف كيف تصنع الشيء، لكن  الحكمة  تسألك عن أثره. وقد تملك القوة، لكنها تسألك عن مسؤوليتك عنها.

 

القدرة تقول: أستطيع.

والحكمة تقول: هل ينبغي؟

 

وهذه هي المسافة بين التقدم والنضج.

 

لقد بلغ الإنسان اليوم قدرة غير مسبوقة؛ يملك من المعلومات ما لا يُحصى، ويستعين بآلات قادرة على التحليل والإنتاج، ويغيّر في سنوات ما كان يحتاج إلى قرون.

 

لكن كلما اتسعت القدرة، اتسعت معها المسؤولية.

 

ولهذا فإن عصر الذكاء الاصطناعي ليس أقل حاجة إلى الحكمة، بل ربما هو أكثر العصور احتياجًا إليها؛ لأن المشكلة لم تعد في ندرة المعرفة، وإنما في حسن توجيهها.

 

فالآلة قد تمنحك الإجابة، لكنها لا تختار لك الوجهة. وقد تزيد سرعتك، لكنها لا تضمن أنك تمضي نحو الصواب.

 

وهنا يصبح السؤال الحضاري الأكبر:

 

ليس: ماذا نستطيع أن نفعل؟ بل: ماذا ينبغي أن نفعل؟

 

فالحضارة الحقيقية ليست أن يمتلك الإنسان القدرة على تغيير كل شيء، بل أن يمتلك  الحكمة  التي تمنعه من تغيير ما لا ينبغي تغييره.

 

والحكمة ليست عدوة التقدم؛ إنها بوصلته. وليست تقديسًا للماضي؛ بل حملًا لخلاصته النافعة إلى المستقبل.

 

ولا تُقاس  الحكمة  بطول العمر، ولا بكثرة المعلومات؛ فقد يعيش الإنسان طويلًا ولا يتعلم، وقد تصنع به تجربة واحدة ما لا تصنعه سنوات.

 

الحكمة هي التجربة بعد أن تتصفّى، والمعرفة بعد أن تنضج، والعقل حين يتحول من أداة للقدرة إلى ميزان للمسؤولية.

 

الحكيم ليس من لا يخطئ، بل من لا يسمح لخطئه أن يذهب هدرًا. وليس من يملك الإجابات كلها، بل من يعرف قيمة السؤال.

 

وهكذا يمكن أن نقرأ تاريخ الإنسان كله باعتباره رحلة واحدة: وعي يكتشف، وعقل يسأل، واختيار يختبر، وتجربة تعلّم، وخطأ يصحح، وبصيرة تنضج، وحكمة تبقى.

 

وما بين آدم والإنسان المعاصر، تغيّرت الأشياء حتى كادت الحياة القديمة تبدو عالمًا آخر؛ لكن الإنسان نفسه لم يخرج من دائرته الأولى: يبحث عن المعنى، ويطلب العدل، ويخشى الظلم، ويحتاج إلى الوفاء، ويتطلع إلى الأمل.

 

لذلك فإن  الحكمة  لا تحفظ الماضي فقط؛ إنها تمنع المستقبل من تكرار أخطائه.

 

وإذا كان العلم يمنحنا مفاتيح القوة، فإن  الحكمة  تعلمنا أي الأبواب نفتح، وأيها نترك مغلقًا.

 

ومن هنا تتضح قيمة  الحكمة  في زمننا: كلما أصبح الإنسان أقدر على صناعة الأشياء، أصبح أحوج إلى أن يصنع نفسه أولًا.

 

فليست أعظم مشكلة في المستقبل أن نملك آلات أذكى، وإنما أن نملك قدرة هائلة بعقل لم ينضج بما يكفي لاستخدامها.

 

منذ آدم تغيّرت الأدوات، وتبدّلت الأزمنة، واتسعت المعرفة، وتعاظمت القدرة؛ لكن السؤال الأول ما زال قائمًا:

 

كيف أختار؟

 

ومن هذا السؤال وُلد الوعي، واشتدّ عود العقل، ونضجت التجربة، وأشرقت الحكمة.

 

ولهذا ؛ حين يتبدّل كل شيء.. لا تتغيّر الحكمة؛ لأنها ليست ابنة عصر مضى، بل بوصلة الإنسان في كل عصر، وكلما ازدادت قدرته على تغيير العالم، ازدادت حاجته إلى  الحكمة  التي تعلّمه كيف لا يفقد نفسه وهو يفعل.