الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ أغسطس-٢٠٢٦       1485

بقلم -  طارق محمود نواب

ثمة أسئلة لا تُكتب بالحبر بل بالحنين وهذا واحدٌ منها. فكلما مررتُ على أغنيةٍ قديمة شعرتُ أنني لا أستمع إلى صوتٍ فحسب بل إلى إنسانٍ كامل. إنسانٍ قرأ كثيرًا وتأمل كثيرًا وخسر كثيرًا وأحب كثيرًا ثم قرر أن يختصر حياته كلها في لحن.

فقد كانت الأغنية نافذةً يُطل منها الفكر على القلب وكان الفنان يشبه مدينةً لها شوارع من الشعر ونوافذ من الموسيقى وساحات تلتقي فيها المعرفة بالجمال.

أما اليوم فأقف أمام كثيرٍ من الأصوات فأسمع الصدى أكثر مما أسمع الروح. وأرى الضوء يسبق المعنى وأرى الشهرة تسبق النضج وأرى الأرقام تركض كخيولٍ جامحة بينما تمشي الثقافة وحيدةً في آخر الطريق كعارفٍ أدرك الحقيقة فضاع صوته في ضجيج الطريق. ولست أكتب هذا شوقًا إلى الماضي لأنه مضى ولا خصومةً مع الحاضر لأنه حاضر. فالأزمنة لا تُدان وإنما تُقرأ. لكنني أتساءل متى توقف الفنان عن مصادقة الكتاب؟ ومتى أصبحت المكتبة أقل إغراءً من الكاميرا؟ ومتى صار التصفيق أهم من الفكرة والانتشار أغلى من الأثر؟

فقد كان الفنان فيما مضى يحمل القصيدة كما يحمل عاشقٌ رسالةً أخيرة فيعرف أن الكلمة ليست زينةً للأغنية بل قلبها النابض. وكان إذا غنى شعرت أن خلف صوته مكتبة وخلف ابتسامته رحلة وخلف حضوره إنسانًا يعرف أن الفن لا يولد من الحنجرة وحدها بل من العقل حين يعشق الجمال.

ولعل موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب يمثل أحد أبرز نماذج الفنان المثقف الذي جمع بين عبقرية اللحن وثقافة العقل وكاريزما الحضور. فلم يكن موسيقيًا عظيمًا فحسب بل كان متحدثًا لبقًا صاحب رأيٍ ورؤيةٍ وذاكرةٍ فنيةٍ ثرية. وحين كان يتحدث عن الموسيقى والشعر والفن والحياة كان المستمع يشعر أنه أمام مفكرٍ يرتدي ثوب الفنان. فقد امتلك قدرةً نادرةً على صياغة أفكاره بلغةٍ راقية وحضورٍ آسِر جعل حواراته لا تقل متعةً وقيمةً عن ألحانه الخالدة.

فلم يكن عبدالوهاب يطارد الضوء لأن الضوء كان يعرف طريقه إليه. ولم يكن يبحث عن لقب لأن قيمته وُلدت من اجتهاده ومن احترامه لفنه ومن إيمانه بأن الموهبة تبدأ هبةً لكنها لا تكتمل إلا بالمعرفة وأن الثقافة ليست عباءةً يرتديها الفنان أمام الناس بل روحًا ترافقه في كل عمل يقدمه.

واليوم لا ينقص الساحةَ الفنانون ولا المواهب ولا المنصات. ما ينقصها ذلك الشغف الهادئ بالمعرفة وذلك الإيمان بأن الثقافة ليست عبئًا على الفنان بل جناحه الثاني. فالصوت الجميل قد يفتح الباب لكن الثقافة وحدها تعرف كيف تُبقيه مفتوحًا.

لذلك لا أسأل أين الأصوات الجميلة؟ فهي كثيرة. بل أسأل أين الفنانون الذين إذا تحدثوا أصغينا إليهم كما نصغي إلى أغنياتهم؟ وأين أولئك الذين يتركون في الذاكرة فكرةً كما يتركون لحنًا؟ وأين من يجعل الفن لقاءً بين الجمال والوعي لا سباقًا بين الأرقام والعناوين؟

وربما لم يمت الفنان المثقف كما يظن البعض. فربما اختبأ وسط هذا الضجيج ينتظر زمنًا يعيد الاعتبار للمعرفة ويؤمن أن الأغنية التي تعيش ليست أكثرها انتشارًا بل أصدقها إحساسًا وأعمقها أثرًا وأقدرها على ملامسة الإنسان بعد أن يخفت التصفيق وتنطفئ الأضواء.

فالفن الحقيقي لا يشيخ لأنه يولد كل مرة من عقلٍ يعرف وقلبٍ يشعر وروحٍ تؤمن أن الجمال لا ينفصل عن الثقافة. فحين يغيب الكتاب عن يد الفنان تضيق مفرداته ويبهت خياله وتصبح الأغنية عابرةً مهما ارتفع صداها. أما حين يظل قارئًا فإن كل تجربة يعيشها تتحول إلى نغمة وكل فكرة يكتشفها تصبح جسرًا جديدًا يصل بين الفن والإنسان ويمنح أعماله خلودًا لا تصنعه الشهرة بل تصنعه الثقافة.