النهار
بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
"عَجِبْتُ مِنْ جَلَدِ الفَاجِرِ، وَعَجْزِ الثِّقَةِ"..عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ليست هذه الكلمات نفثةَ ألمٍ عابرة أطلقها الفاروق رضي الله عنه، بل هي تشخيصٌ نافذ لسنّةٍ اجتماعية تتكرر عبر العصور؛ فالأمم لا يهددها وجود أهل الباطل بقدر ما يهددها انكفاء أهل الحق، ولا تنشأ الأزمات دائماً من قوة الفاسدين، بل كثيراً ما تنشأ من تراجع الأمناء.
فالفاجر – بمعناه الواسع – يملك جرأةً عجيبة على السعي إلى غايته؛ لا يمل من المحاولة، ولا يخشى تصدّر المشهد، ولا يتردد في طلب النفوذ وتحقيق المكاسب، فيبذل من الجهد والمثابرة ما يعجز عنه كثير من أهل الصلاح.
وفي المقابل ؛ يقف الثقة الأمين متردداً ، يؤثر السلامة، ويتوجس من النقد، ويزهد في مواقع التأثير، وربما أقنع نفسه أن الابتعاد حكمة، وأن الانزواء فضيلة، وأن ترك الميدان لونٌ من ألوان الورع .
وهنا مكمن الداء ؛ فليس كل صمتٍ حكمة، وليس كل انكفاءٍ زُهداً ، بل قد تكون الحكمة في التقدم حين يتعين الواجب، وقد يكون الزهد الحقيقي في تحمّل التبعات لا في الفرار منها.
إن الحياة لا تعرف الفراغ، والميادين لا تبقى شاغرة.
فإذا تأخر أهل الكفاءة والأمانة ؛ تقدّم إليها غيرهم ، لا لأنهم الأجدر، بل لأنهم كانوا الأجرأ.
وقديماً قيل: "الطبيعة تأبى الفراغ" ، وكذلك المجتمعات؛ فما يتركه أهل الكفاءة من فراغٍ تملؤه – عاجلاً أو آجلاً – إراداتٌ أخرى، قد لا تملك من الأمانة بقدر ما تملك من الجرأة.
ومن هنا ؛ فإن أخطر ما في عجز الثقات أنه لا يقف عند حدود التقصير الشخصي، بل يصنع فراغاً عاماً، وهذا الفراغ هو التربة الخصبة التي ينمو فيها الفساد، ويتصدر فيها غير الأكفاء، وتتعثر فيها المصالح الكبرى.
وكم من منصبٍ شغله غير أهله لأن أهله الحقيقيين آثروا الوقوف في الصفوف الخلفية! وكم من مشروعٍ تعثر لأن القادرين على إنجاحه أحجموا عنه! وكم من صوتٍ مرتفعٍ وجد طريقه إلى الناس ؛ لأن أصحاب الحكمة لزموا الصمت!
وقد نُسب إلى الفيلسوف الأيرلندي إدموند بيرك قوله: "إن الشر ينتصر عندما لا يفعل الأخيار شيئاً".
ومع ما في العبارة من صياغة أدبية ؛ إلا أن معناها يلامس حقيقةً لا تخطئها الأبصار ، فالباطل كثيراً ما يستفيد من غياب أهل الحق أكثر مما يستفيد من قوته الذاتية.
ومن هنا ؛ فإن بعض الصالحين الصامتين لا يحتاجون إلى مزيدٍ من التواضع، بقدر ما يحتاجون إلى شيءٍ من الجرأة المحمودة .. جرأةٍ تدفعهم إلى سد الثغرات، وشغل المواقع التي تليق بأمانتهم وكفاءتهم.
إن الانكفاء عن مَوَاطِنَ التأثير ليس دائماً موقفاً محايداً؛ فقد يكون – من حيث لا يشعر صاحبه – إسهاماً غير مباشر في صناعة المشكلة التي يشتكي منها بعد ذلك.
وما أكثر الذين يتألمون من تصدّر غير الأكفاء، وهم الذين تركوا لهم الميدان خالياً!!
إن الفاروق رضي الله عنه لم يكن متعجباً من جَلَد الفاجر فحسب، بل كان متألماً من عجز الثقة؛ لأن الفاجر لا يقتحم الأبواب دائماً، وإنما يجد كثيراً من الأبواب مفتوحة حين ينأى عنها أهل الحق.
ولذلك تبقى كلمته معولاً من معاول الإصلاح، وجرس إنذارٍ لا ينبغي أن يخفت صداه:
إذا غاب الأمناء عن مواقعهم ؛ فلا يتعجبوا من حضور غيرهم.
وإذا ترك الثقات الثغور شاغرة ؛ فلا يلوموا إلا أنفسهم حين يملؤها من لا يستحقها.
إن التاريخ لا يروي كيف تقدّم غير الأكفاء فحسب، بل يروي أيضاً كيف تأخر الأكفاء عن مواقعهم.
فليس كل فراغٍ قدراً، بل كثيرٌ من الفراغات يصنعها ترددُ الثقات، ثم تدفع المجتمعات كلها ثمن ذلك التردد.
فالمشكلة ليست في أن الفاجر كان جَلِداً، بل في أن الثقة غاب يوم احتاجه الميدان.
وهذه – لعمري – من أفدح الخسائر التي تُمنى بها الأمم.