النهار

٠٤ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ يوليو-٢٠٢٦       3025

بقلم - د. طارق بن حزام

لم يعد  الذكاء الاصطناعي  مجرد تقنية متقدمة، بل أصبح قوةً تعيد تشكيل طريقة التفكير، وآليات اتخاذ القرار، وحتى صورة الإنسان عن نفسه. لذلك لم يعد السؤال: ماذا تستطيع الآلات أن تفعل؟ بل أصبح: ماذا سيبقى للإنسان إذا أصبحت الآلات تشاركه وظائف العقل، وتنافسه في مجالات ظل يعتقد طويلًا أنها من خصوصياته؟

هذا السؤال لا يتعلق بمستقبل التقنية وحدها، بل بمستقبل الإنسان نفسه. فهل سيظل محور العالم الرقمي الجديد، أم سيتحول تدريجيًا إلى مجرد عنصر داخل منظومة تقنية شاملة؟ وهل يستطيع الحفاظ على حريته وكرامته ومسؤوليته الأخلاقية في ظل هذا التطور المتسارع؟

ولفهم هذا التحول، لا يكفي النظر إلى التقنية بوصفها أدوات متطورة، بل باعتبارها طريقة جديدة لرؤية العالم. فكلما ازدادت قدرتها على القياس والتحليل والتنبؤ، ازداد ميل الإنسان إلى النظر إلى الأشياء، بل وإلى الإنسان نفسه، بوصفها بيانات قابلة للحساب والاستثمار.

ومن هنا يمثل  الذكاء الاصطناعي  ذروة هذا التحول؛ إذ يتعامل مع اللغة والصور والسلوك الإنساني باعتبارها معطيات رقمية قابلة للمعالجة. وهنا تكمن أهميته، كما تكمن خطورته؛ فهو لا يغيّر الأدوات التي نستخدمها فحسب، بل قد يغيّر الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم من حولنا.

غير أن هذا التطور يثير تحديات أخلاقية لا تقل أهمية عن إنجازاته التقنية، من أبرزها التحيز الخوارزمي، وفجوة المسؤولية عند وقوع أخطاء الأنظمة الذكية، ومشكلة الشفافية أو ما يعرف بـ«الصندوق الأسود»، إضافة إلى الأسئلة التي يثيرها مشروع «الإنسان المعزز» وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة.

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع تطوير ذكاء اصطناعي أكثر قوة؟ بل: هل نستطيع بناء منظومة أخلاقية تضبط هذا التطور؟

فالتقنية لا تنتج القيم، ولا تميز بين الخير والشر، وإنما تنفذ ما يُبرمج فيها. أما تحديد الغايات، فيبقى مسؤولية الإنسان. ولذلك فإن مستقبل  الذكاء الاصطناعي  لن تحدده الخوارزميات وحدها، بل المنظومة القيمية التي توجه استخدامها.

ومن هنا تبرز أربع قيم أساسية: الكرامة الإنسانية، فلا يُختزل الإنسان إلى مجرد بيانات؛ والمسؤولية الأخلاقية، لأن القرار النهائي يجب أن يبقى قرارًا بشريًا؛ والحرية، حتى لا تتحول الخوارزميات إلى سلطة خفية تؤثر في خيارات الإنسان؛ ثم السعادة، لأن جودة الحياة لا تقاس بالكفاءة التقنية وحدها، بل بما تمنحه من معنى وإبداع وعلاقات إنسانية أصيلة.

ولعل أكثر الميادين تأثرًا بهذا التحول هو ميدان التربية؛ فالجيل الجديد ينشأ في عالم تشارك فيه الخوارزميات في تشكيل المعرفة والاهتمامات. ومن هنا لم تعد مهمة الأسرة والمؤسسات التعليمية تزويد الأبناء بالمعلومات فحسب، بل بناء التفكير النقدي، وترسيخ القيم، وتنمية الوعي بحسن استخدام التقنية. فالإنسان الذي يمتلك علمًا بلا وعي، أو مهارة بلا أخلاق، قد يصبح أكثر قدرة على الخطأ من قدرته على الإصلاح.

إننا لسنا بحاجة إلى مقاومة التقنية، بل إلى مقاومة الاعتقاد بأنها المعيار الوحيد لفهم الإنسان والحياة. فليس كل ما يمكن قياسه هو الأهم، وإذا أصبح كل شيء أرقامًا، فقد نفقد ما يمنح الحياة معناها: الجمال، والحب، والرحمة، والحكمة، والإبداع، والتأمل.

لقد نجح الإنسان في أن يصنع آلاتٍ تزداد ذكاءً، لكن نجاحه الحقيقي سيبقى مرهونًا بقدرته على أن يصنع إنسانًا يزداد حكمةً وأخلاقًا ومسؤولية. فمستقبل  الذكاء الاصطناعي  لن تحدده قوة الخوارزميات، بقدر ما ستحدده القيم التي يحملها الإنسان وهو يصنعها ويستخدمها. وعندها فقط، لن يكون  الذكاء الاصطناعي  منافسًا للإنسان، بل أداةً لخدمة الإنسان والحضار