عبدالله الكناني

٠٤ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : عبدالله الكناني
التاريخ: ٠٤ يوليو-٢٠٢٦       4730

بقلم ـ عبدالله الكناني
تُحوِّل إيران الجنائز إلى منصات سياسية، وتُخرج القبور من معناها الإنساني إلى وظيفة دعائية تُراد لها أن تثبّت النظام، وتخفي فراغ القيادة، وتعيد إنتاج التأييد في لحظات الخوف والارتباك.

تُقيم طهران جنازة مرشدٍ قضى، بينما يغيب المرشد الجديد عن المشهد، في مفارقة تكشف حجم الاضطراب داخل بنية الحكم. وتبدو الجنازة، في رمزيتها السياسية، والتي تنظم بتصريح أمريكي، بعدما جاءت الإشارة إلى منح طهران مساحة زمنية للجنازة، في الوقت الذي يواصل فيه النظام الإيراني رفع شعارات التحدي والموت لأمريكا.

تُظهر هذه المفارقة جوهر السياسة الإيرانية المتناقضة؛ إذ تصرخ في العلن، وتناور في الخفاء، وترفع خطاب المقاومة، ثم تقرأ حدود القوة الدولية بدقة،وتخاطب جمهورها بلغة الثأر، بينما تتحرك في الواقع وفق ما تسمح به موازين الحرب والتفاوض.

تستخدم الجمهورية الإيرانية الموت بوصفه أداة حكم ،فمن جنازة الخميني إلى جنازة قاسم سليماني، ثم جنازة إبراهيم رئيسي، وصولًا إلى مراسم خامنئي، يتكرر المشهد ذاته: نعش مرفوع، وحشود منظمة، وشعارات غاضبة، ورايات سوداء، وإعلام رسمي يحوّل الحزن إلى تعبئة سياسية.

تُقدّم طهران قاسم سليماني بطلًا قوميًا، بينما تحفظ ذاكرة سكان المنطقة صورته بوصفه مهندسًا لشبكات القتل العابرة للحدود، وقاتلًا للأطفال والنساء والشيوخ، وراعيًا لميليشيات مارست القتل على الهوية، وفتحت أبواب الفوضى والتهجير في أكثر من عاصمة عربية،ولم يكن سليماني، في نظر ضحايا مشروعه، مجرد عسكري، بل كان عنوانًا لمشروع توسعي دفع المدنيون ثمنه دمًا وخوفًا وخرابًا.

تُخفي الجنازات الإيرانية أسئلة أكبر مما تُعلن، فإذا غاب الخليفة، حضر النعش ،وإذا ارتبك القرار، تقدمت الرايات،وإذا تراجعت الثقة الشعبية، استُدعيت الحشود لتبدو وكأنها إجماع وطني. 
هكذا تتحول الجنازة إلى استفتاء بصري على بقاء النظام، لا إلى طقس وداع عابر.

تتحدث إيران اليوم بأكثر من صوت، يتقدم الحرس الثوري بلغة السلاح والانتقام، وتتحدث الخارجية بلغة الحوار والقانون الدولي، وتمنح المؤسسة الدينية المشهد غطاء القداسة، ويصنع الإعلام الرسمي من الحزن عرضًا سياسيًا طويلًا. 
أما الشارع الإيراني فيبقى حاضرًا بصمته وقلقه وتعبه وأسئلته المكتومة.

تكشف هذه الأصوات المتناقضة أن الدولة لا تتكلم بصوت واحد، بل تتحرك تحت ضغط مراكز قوى متداخلة،فالحرس يريد استمرار المشروع، والخارجية تريد مساحة للتفاوض، والإعلام يريد مشهدًا موحدًا، والمؤسسة الدينية تريد تثبيت الشرعية، بينما يريد المواطن الإيراني حياة أقل خوفًا وأكثر استقرارًا.

تمنح القبور النظام الإيراني فرصة لإدارة الأحياء عبر الموتى، فالمرشد، والرئيس، والقائد العسكري، لا يغادرون المشهد بعد رحيلهم، بل يُعاد استدعاؤهم كرموز للتعبئة والولاء والثأر. 
وتتحول صورهم إلى رسائل، ومراسمهم إلى أدوات ضغط، وجنازاتهم إلى محاولة لإقناع الداخل والخارج بأن المشروع ما زال قائمًا.

لكن القبور لا تصنع شرعية دائمة،والحشود، مهما كبرت، لا تلغي سؤال المستقبل،والهتافات، مهما علت، لا تحجب حقيقة الفراغ. 
فالنظام الذي يحتاج إلى جنازة كبرى كي يثبت أنه باقٍ، يعترف ضمنًا بأنه يخشى اليوم التالي.

تقول جنازة المرشد الراحل أكثر مما تريد طهران قوله ،تقول إن النظام يعرف قوة الرمز، لكنه يخاف ضعف البديل، وتقول إن الماضي لا يزال أقدر على جمع الصف من المستقبل، وتقول إن إيران التي تجيد تنظيم مشاهد الموت، لا تزال عاجزة عن تقديم إجابة واضحة لسؤال الحياة والحكم والشرعية.

تبدأ الرسالة من مرشد قضى، وتصل إلى مرشد غائب، وتمر عبر قباب القبور وشوارع الجنائز وحشود التعبئة، غير أن الحقيقة الأهم تبقى واضحة: لا تبقى الدول لأنها تحسن إخراج الجنازات، بل لأنها تحسن إدارة الحياة.