النهار
بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني
حين طرح الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو مفهوم أركيولوجيا المعرفة لم يكن يقصد البحث عن البدايات الأولى للأفكار كما يفعل المؤرخ التقليدي، وإنما كان يحاول أن يكشف البنية العميقة التي تجعل فكرةً معينة قابلة للظهور في لحظة تاريخية محددة، والتي تتكون من شبكة واسعة من القواعد الثقافية والمؤسسات الاجتماعية والأنظمة الفكرية والمرجعيات العلمية وآليات إنتاج الخطاب التي تتداخل جميعها لتحدد ما الذي يمكن أن يقال وما الذي ينبغي أن يُستبعد ومن الذي يمتلك شرعية الحديث ومن الذي يُقصى من دائرة إنتاج المعرفة.
إن فوكو لا يدعونا إلى قراءة النصوص بوصفها كلمات مصطفة في صفحات الكتب، وإنما يدعونا إلى قراءة ما يختبئ خلف تلك الكلمات من أنظمة فكرية متراكبة ومن تصورات حضارية متغيرة ومن علاقات قوة دقيقة تتحكم في صناعة الحقيقة وتوجيه العقول ورسم الحدود التي يتحرك داخلها التفكير الإنساني دون أن يشعر في كثير من الأحيان بأنه يخضع لمنظومة خفية تحدد له مسارات الفهم والإدراك والتفسير.
فالخطاب عند فوكو ليس حديثًا عابرًا أو لغةً يتبادلها الناس في حياتهم اليومية، بل هو منظومة متكاملة لإنتاج المعرفة تتكون من مؤسسات تعليمية وقوانين وتشريعات ومناهج علمية ومفاهيم راسخة ومصطلحات متداولة وسلطات علمية ورموز اجتماعية تتعاون جميعها في صناعة ما يُسمى بالحقيقة المقبولة داخل المجتمع وفي رسم الصورة التي ينظر الناس من خلالها إلى العالم وإلى الإنسان وإلى التاريخ وإلى المستقبل.
وفي هذا يرفض فوكو الاعتقاد بأن المعرفة تسير في طريق مستقيم يتقدم باستمرار من مرحلة إلى أخرى؛ لأن التاريخ في نظره مليء بالتحولات المفاجئة والانقطاعات الفكرية والانتقالات الجذرية التي تغير قواعد التفكير ذاتها وتجعل المفاهيم القديمة غير قادرة على تفسير الواقع الجديد لتنشأ بدلاً منها أنظمة معرفية مختلفة تمامًا تعكس روح العصر الجديد وقيمه وتحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية والفلسفية.
ولهذا فإن الباحث الذي يستلهم أركيولوجيا المعرفة لا يسأل عن الشخص الذي ابتكر الفكرة أول مرة، بل ينصرف إلى دراسة الظروف التاريخية والثقافية والمؤسساتية التي جعلت تلك الفكرة ممكنة الظهور وجعلت المجتمع مستعدًا لتقبلها ومنحتها صفة الحقيقة ومنحت أصحابها سلطة الحديث باسم العلم أو العقل أو القانون أو الأخلاق حتى أصبحت مع مرور الزمن جزءًا من الوعي الجمعي الذي يصعب التشكيك فيه.
أما مفهوم الأرشيف عند فوكو فلا يقتصر على الوثائق المحفوظة في المكتبات، بل يمتد ليشمل النظام الكامل الذي يحدد ما الذي يستحق أن يُكتب وما الذي يستحق أن يُحفظ وما الذي يسمح له بالانتقال بين الأجيال وما الذي يُقصى من الذاكرة الجماعية بسبب تغير أنظمة المعرفة أو تبدل موازين السلطة أو اختلاف الرؤية الحضارية التي تحكم المجتمع في كل مرحلة من مراحله التاريخية.
ويأتي مفهوم العبارة بوصفه أحد أكثر مفاهيم فوكو دقة وتعقيدًا؛ لأن العبارة ليست مجرد جملة صحيحة من الناحية اللغوية، بل هي وحدة خطابية تمتلك وظيفة داخل نظام معرفي محدد وتكتسب قيمتها من علاقتها بالمؤسسات المنتجة للمعرفة وبالقواعد التي تمنحها الشرعية وبالخطاب الذي تنتمي إليه وبالسياق التاريخي الذي يسمح لها بأن تؤدي دورها في تشكيل الوعي الاجتماعي وإنتاج الحقيقة.
وعندما انتقل فوكو في أعماله اللاحقة إلى دراسة العلاقة بين المعرفة والسلطة كشف أن السلطة لا تفرض هيمنتها بالقوة وحدها، بل تمارس حضورها من خلال إنتاج المعرفة وتنظيمها وإعادة تعريف الإنسان وسلوكه وتحديد معايير الصواب والخطأ والطبيعي وغير الطبيعي والمقبول والمرفوض عبر مؤسسات التعليم والقضاء والطب والإعلام والسجون وغيرها من المؤسسات التي تبدو في ظاهرها أدوات للخدمة بينما تؤدي في عمقها دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجمعي وإدارة الحياة الاجتماعية.
ولو أردنا أن نطبق هذا المنهج على مفهوم الجنون، فإن السؤال لن يكون: من أول من اكتشف الجنون؟، بل كيف أعادت المجتمعات المختلفة تعريف هذا المفهوم عبر عصورها المتعاقبة وكيف انتقلت سلطة تفسيره من رجال الدين إلى الأطباء ومن التصورات الغيبية إلى المناهج العلمية ومن العزل الاجتماعي إلى المؤسسات العلاجية وفق التحولات الكبرى التي شهدتها أنظمة المعرفة في كل حقبة تاريخية.
لقد غيّرت أركيولوجيا المعرفة الطريقة التي ينظر بها الباحثون إلى التاريخ والثقافة والخطاب؛ لأنها حررت الدراسات الإنسانية من الاكتفاء بسرد الأحداث والأسماء والتواريخ ووجهتها نحو تحليل البنى العميقة التي تنتج المعنى وتصنع الحقيقة وتمنح بعض الخطابات سلطة البقاء والانتشار بينما تدفع بخطابات أخرى إلى الهامش أو إلى النسيان أو إلى الإقصاء الكامل من الذاكرة الثقافية للمجتمع.
وهكذا يتبين أن أركيولوجيا المعرفة ليست مجرد منهج فلسفي معقد، بل هي رؤية نقدية شاملة تدفع الإنسان إلى مساءلة المسلمات وكشف البنى الخفية التي تتحكم في صناعة المعرفة وفهم الكيفية التي تتغير بها الحقائق عبر الزمن وفق تغير الأنظمة الفكرية والثقافية والمؤسساتية وهو ما يجعلها واحدة من أكثر المناهج تأثيرًا في الفلسفة الحديثة والدراسات الثقافية وتحليل الخطاب والعلوم الإنسانية المعاصرة.