النهار

٠٤ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ يوليو-٢٠٢٦       3080

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

ثمة مدنٌ تنمو مع الزمن، وثمة مدنٌ تصنع الزمن ؛ أما الرياض، فقد اختارت أن تكتب زمنها بيدها.

فمنذ ثلاثة عقود، وهذه العاصمة لا تكتفي بأن تنمو، بل تُعيد تعريف معنى النمو نفسه. 
إنها عاصمةٌ تُقاس بقدرتها على تحويل الرؤى إلى وقائع، والطموحات إلى مشهدٍ يومي نابض بالحياة. 
والرياض ليست مشروع مدينة؛ إنها مدينةٌ تحولت إلى مشروع وطن.

ولم تكن نهضتها وليدة المصادفة، بل ثمرة رؤيةٍ بعيدة، وعملٍ متصل، وقياداتٍ أدركت أن بناء المدن ليس مشروعاً عمرانياً فحسب، بل مشروعٌ حضاري يشارك في صناعة الإنسان والمكان والمستقبل. 
ولعل هذا ما قصده المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي حين قال: "المدن العظيمة هي نتاج الرجال العظماء".

لقد ارتبطت سيرة  الرياض  الحديثة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حين كان أميراً لمنطقة الرياض، حيث تحولت المتابعة إلى ثقافة عمل، والتخطيط إلى منهج، والتنمية إلى مهمةٍ يومية لا تعرف التوقف. 
ولم تكن المشاريع أرقاماً في التقارير، بل أفكاراً تُتابَع حتى ترى النور.

ثم واصل صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز آل سعود المسيرة بالروح نفسها؛ روح العاصمة التي لا تنظر إلى ما أنجزته بقدر ما تتطلع إلى ما ينبغي أن تنجزه.

ولهذا لم تعرف  الرياض  الركون إلى ما تحقق، بل جعلت من التجدد جزءاً من هويتها، وكأنها تؤمن بما ذهب إليه الأديب والفيلسوف الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته حين رأى أن "الحياة هي القدرة على التغير".
فكل إنجازٍ فيها ليس خاتمةً لمرحلة، بل مقدمةٌ لمرحلةٍ أخرى، وكل محطةٍ ليست سوى بدايةٍ لمسارٍ أبعد.

في  الرياض  ؛ لا تُعدّ الرافعات جزءاً من المشهد العمراني، بل جزءاً من هوية المكان؛ فهي لا تغادر الأفق، وكأن العاصمة قررت أن تجعل من البناء لغتها اليومية، ومن التجدد أسلوب حياتها. والطرق ليست مجرد مساراتٍ تربط الأحياء، بل شرايين تضخ الحياة في جسد عاصمةٍ تتوسع في الجهات الأربع، وتتمدد في كل المجالات والأدوار.

ومع انطلاق رؤية المملكة 2030 بقيادة سمو ولي العهد محمد بن سلمان آل سعود ؛ دخلت  الرياض  مرحلةً استثنائية من التحول ، مرحلةٌ لم تكتفِ بتحسين المدينة، بل أعادت تعريفها. فمن قطار  الرياض  إلى حديقة الملك سلمان، ومن المسار الرياضي إلى بوابة الدرعية، لا تبدو المشاريع مجرد منشآتٍ جديدة، بل علامات ترقيم في جملةٍ طويلة اسمها:  الرياض  الجديدة.

ولأن العواصم الكبرى لا تنتظر المستقبل بل تصنعه، فقد ذهبت  الرياض  إليه بخطى واثقة، وصاغته برؤيتها، مجسدةً ما قاله رائد الإدارة الحديثة بيتر دراكر: "أفضل وسيلة للتنبؤ بالمستقبل هي صناعته".

وما تشهده  الرياض  اليوم ليس طفرةً عابرة ولا إنجازاً مؤقتاً، بل مسيرةٌ تراكمية من العمل الدؤوب والتخطيط البعيد والإرادة التي لا تعرف التراجع؛ ذلك أن الحضارة – كما وصفها المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت – ليست إلا "نهراً من الجهد الإنساني المتصل".

وهنا تتجلى روح المرحلة السعودية في أبهى صورها؛ تلك الروح التي اختصرها سمو ولي العهد بقوله: "طموحنا عنان السماء".
وهي عبارة لم تبقَ شعاراً يُردَّد، بل أصبحت واقعاً يُرى في كل زاوية من زوايا الرياض. 
فهذه العاصمة جعلت من الطموح فلسفةً للتفكير، ومن التطلع إلى الأبعد عادةً لا تغادرها.

لقد تجاوزت  الرياض  مفهوم المدينة التقليدية؛ فهي اليوم قلب الاقتصاد الوطني، وعنوان القرار السياسي، ومنصة الثقافة، ووجهة الاستثمار، وملتقى العالم. 
وهي لا تتسع في جغرافيتها وحدها، بل في تأثيرها، وفي ثقة أهلها، وفي حضورها على الخريطة العالمية.

وإذا كانت المدينة، في وصف المفكر الأمريكي لويس ممفورد، "أعظم اختراع صنعه الإنسان" ؛ فإن  الرياض  تبدو اليوم أحد أعظم تجليات الإرادة السعودية حين تتحول إلى عمران، والرؤية حين تتجسد في الواقع، والحلم حين يقرر أن يعيش بين الناس.

الرياض ليست عاصمةً تسكنها الأحلام، بل عاصمةٌ تسكن الأحلام نفسها؛ كلما ظن الناس أنها بلغت مداها، اكتشفوا أن فيها متسعاً لحلمٍ جديد.

إنها ليست مدينةً على الخريطة، بل خريطةٌ لطموح وطن؛ وليست حكايةَ عمرانٍ فحسب، بل سيرةُ إرادةٍ قررت أن تجعل من المستحيل مجرد محطةٍ عابرة.

إنها الرياض… الحُلُم الذي يكبر ؛ لأن طموحه بلا سقف، ويكبر معه الوطن.