النهار
بقلم - ياسين سالم
وسط عواصف إقليمية لم تهدأ منذ عقود، تقف المملكة العربية السعودية شامخةً ، درعاً للأمة وقلباً للعالم الإسلامي ، سياستها تجاه التهديد الإيراني لم تكن يوماً رد فعل عابراً ، بل استراتيجية دولة عظمى تزن بين هيبة القوة ونُبل الحكمة ، وتضع أمن الوطن والمواطن فوق كل اعتبار ، وتمضي بثبات نحو مستقبل رؤية 2030 دون أن تلتفت لمحاولات الاستنزاف ،
منذ أن اختارت إيران الثورة نهجاً لتصدير الفوضى عام 1979، أدركت الرياض مبكراً أن أمن الخليج والعرب خط أحمر ، تمدد النفوذ الإيراني عبر الوكلاء في عواصمنا العربية لم يكن مجرد نفوذ ، بل مشروع لزعزعة الاستقرار وضرب النسيج الوطني ، وعندما امتدت يد العبث إلى خاصرتنا الجنوبية عام 2014، لم تقف المملكة متفرجة ، في مارس 2015، قادت السعودية بكل اقتدار تحالف دعم الشرعية في اليمن ، قراراً سيادياً شجاعاً لحماية حدودنا وأهلنا ، ولكسر مشروع الهيمنة عند بوابة المملكة ، قرار اتخذته القيادة بمسؤولية تاريخية ، ووقفت خلفه الأمة بكل فخر ،
المواجهة كشفت للعالم أن أمن منشآتنا خط أحمر ، وأن المملكة قادرة على امتصاص الصدمات والرد بقوة مضاعفة ، فبعد اعتداء 2019 الجبان على أرامكو ، خرجت السعودية أقوى وطوّرت منظومات دفاعها لتكون الأحدث عالمياً ، وأثبتت للعالم أن إرادتها لا تُكسر ، لكن قوة الدولة الحقيقية تُقاس بحكمتها لا باندفاعها ، ومع انطلاقة رؤية 2030، وضعت القيادة السعودية نصب عينيها هدفاً أسمى ، بناء اقتصاد لا تهزه العواصف ، وتنمية لا تعطلها الصراعات ، من هنا جاء التحول الاستراتيجي في 2023، عندما أعادت المملكة العلاقات مع طهران عبر اتفاق بكين بضمانة صينية ، لم يكن تراجعاً ، بل انتصاراً للدبلوماسية السعودية التي فرضت شروطها ، أمن المملكة أولاً ، ووقف الاعتداءات على أراضينا ثانياً ، وعدم التدخل في شؤون اليمن واحترام سيادته ، فالسعودية تفرض هيبتها بتكاليف السيادة لا بثمن الضعف ، وتجمع بين صرامة القوة وحكمة الدبلوماسية ، وسياستها أكبر من أن تُختزل في موقف بروتوكولي عابر ، أو في مشهد عزاء يُفهم خطأً من قِبل من يجهل أبجديات السياسة ، لأن قراراتها تُبنى على مصلحة الوطن العليا لا على مجاملات اللحظة ،
عندما اشتعلت المنطقة بحرب جديدة عام 2025، برهنت السعودية للعالم معنى "الدولة المسؤولة" ، بينما سعى البعض للزج بالمنطقة في أتون الفوضى ، اختارت الرياض مسار العقلاء: أدانت العدوان ، حصّنت سماءها وأرضها بأحدث المنظومات ، وحافظت على قنوات الحوار التي تضمن أمن شعبها ، هذا هو الفرق بين دولة تقود ولا تُقاد ، لا تنجرّ لمعارك لا تخدم مصالحها العليا ، ولا تسمح بتعطيل مسيرة التنمية التي وعدت بها أبناءها ، مشاريع نيوم والقدية والبحر الأحمر ماضية، والاقتصاد السعودي صامد بوجه العواصف والرياح ، لأن القيادة وضعت أمن المواطن ورخاءه قبل كل شيء ،
سياسة المملكة تجاه إيران ليست قصة تكاليف ، بل قصة سيادة ، نحن لا ندفع ثمن المواجهة ، بل نستثمر في أمننا ، كل ريال يُنفق على الدفاع هو درع لأبنائنا وأحفادنا ، وكل موقف دبلوماسي حكيم هو لبنة في استقرار المنطقة ، السعودية اليوم لا تدير أزمات، بل تصنع مستقبلاً ، توازن بين سيف لا يُغمد في وجه من يهددها ، ويد ممدودة للسلام تحفظ مصالحها ، وهذا والله هو نهج الكبار ، حزم في موضعه ، وحكمة في وقتها ، ووطن فوق كل الاعتبارات .