بقلم-جمعان الكرت
ستصبح مولدات الكهرباء المعتمدة على الوقود، في يوم من الأيام، جزءاً من الماضي، كما أصبحت السفن والقطارات التي كانت تعمل بالفحم مجرد صفحات في كتب التاريخ، وكما اختفى “هاتف أبو هندل” ليحل محله الهاتف الذكي. فالتطور الحضاري القائم على الابتكار والاختراع هو إحدى سنن الحياة البشرية في البحث الدائم عن الأفضل والأسهل والأكثر نفعاً للإنسان.
وفي هذا السياق، ما زالت الاستفادة الواسعة من الطاقة الشمسية تسير بوتيرة أبطأ مما يأمله الكثيرون، رغم ما أُعلن منذ سنوات عن التوسع في استثمار هذا المصدر الواعد للطاقة. فالشمس توفر طاقة نظيفة ومتجددة وقليلة التكلفة التشغيلية، فضلاً عن كونها أقل تأثيراً على البيئة والمناخ مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية.
وتتمتع الجزيرة العربية بميزات استثنائية تؤهلها لتكون من أبرز مناطق العالم في إنتاج الطاقة الشمسية، نظراً لموقعها الجغرافي ضمن النطاق المداري الذي يتميز بساعات سطوع شمسية طويلة على مدار العام. ويمكن توجيه المستفيدين إلى أفضل السبل لتركيب الألواح الشمسية واستثمارها بما يحقق إنتاجاً مستداماً للطاقة، سواء للمنازل أو المزارع أو المنشآت المختلفة، الأمر الذي يسهم في خفض التكاليف وترشيد استهلاك الوقود التقليدي.
وفي المقابل، تواجه الجزيرة العربية تحدياً آخر يتمثل في شح الموارد المائية، إذ تخلو من الأنهار الدائمة الجريان وتعتمد بدرجة كبيرة على الأمطار الموسمية المحدودة. وقد دفعت هذه الظروف إلى إنشاء السدود لحجز مياه الأمطار والاستفادة منها، إضافة إلى التوسع في تحلية مياه البحر ونقلها إلى المدن والقرى البعيدة عن السواحل.
غير أن مشكلة المياه ليست مؤقتة، بل ترتبط بالطبيعة المناخية للمنطقة الواقعة ضمن النطاق الصحراوي المداري المعروف بقلة أمطاره وارتفاع درجات حرارته. ومع التزايد السكاني واتساع النشاط العمراني والزراعي، يزداد الطلب على المياه عاماً بعد عام، مما يجعل البحث عن حلول إضافية أمراً ضرورياً.
ومن أبرز هذه الحلول الاستفادة من مياه الأمطار التي يضيع جزء كبير منها هدراً، سواء باتجاه البحر أو في أعماق الصحاري. وهنا يبرز مفهوم “حصاد مياه الأمطار” بوصفه أحد الحلول العملية والمستدامة، من خلال إنشاء خزانات مخصصة لتجميع المياه المتدفقة من أسطح المنازل والمباني، للاستفادة منها في ري الحدائق والمزارع وبعض الاستخدامات المنزلية الأخرى.
ويمكن أن يكون هذا التوجه عملاً تكاملياً بين الجهات الحكومية والأمانات والبلديات من جهة، والمواطنين من جهة أخرى، عبر تشجيع إنشاء أنظمة حصاد الأمطار ضمن اشتراطات البناء الحديثة. والفكرة ليست جديدة، فقد سبق أن طبقها عدد من الأهالي وأثبتت نجاحها في توفير كميات جيدة من المياه والاستفادة منها في أوقات الحاجة.
إن عبارة “المياه ثروة غالية” ليست مجرد شعار، بل حقيقة تفرضها ظروف البيئة ومتطلبات التنمية. والسؤال الأهم ليس كيف نوفر المياه فحسب، بل كيف نستفيد من كل قطرة مطر تهطل على أرضنا، وكيف نحولها من مورد مهدر إلى رصيد استراتيجي يدعم حاضرنا ومستقبل أجيالنا.