النهار

٠٦ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ أغسطس-٢٠٢٦       5280

بقلم - محمد الفايز

ليست كل القيم تُحمى بالقوانين فبعضها يحرسه الضمير ويأتي «ماء الوجه» في مقدمة تلك القيم فهو ليس مجرد تعبيرٍ اجتماعي توارثته الأجيال بل قيمةٌ أخلاقية تحفظ للإنسان هيبته وتجعله يقف عند حدودٍ لا يتجاوزها حتى وإن غاب الرقيب.

 

ولطالما أدرك الإنسان أن احترامه لنفسه هو أول أبواب احترام الآخرين له لذلك كان يراجع كلماته ويزن مواقفه ويحسب لخطئه حسابًا لأن خسارة ماء الوجه كانت تُعد من أقسى الخسائر فهي لا تُقاس بما يفقده الإنسان من مالٍ أو جاه بل بما يفقده من مكانةٍ في نفسه قبل أن تكون في أعين الناس.

 

غير أن المتأمل في بعض المظاهر اليوم يلحظ أن هذه القيمة لم تعد تحظى بالمكانة ذاتها فهناك من يبرر الخطأ بدلًا من الاعتراف به ويحرص على تبرير موقفه أكثر من حرصه على الوصول إلى الحقيقة وكأن الاعتراف بالخطأ هزيمة مع أن الاعتراف به أول انتصارٍ للضمير والشجاعة الحقيقية تبدأ من القدرة على مراجعة النفس.

 

إن المشكلة ليست في اختلاف وجهات النظر ولا في تبدل الأزمنة فالحياة بطبيعتها تتغير والمجتمعات تتطور لكن ما ينبغي ألا يتغير هو القيم التي تحفظ للإنسان اتزانه فالقيم لا تُختبر حين تسير الأمور كما نشتهي بل حين يكون الإنسان قادرًا على الخطأ ثم يختار الصواب بإرادته. وكل حضارةٍ تتقدم بالعلم لكنها لا تستقر إلا بالأخلاق وكل مجتمعٍ ينجح في البناء المادي يبقى في حاجة إلى بناءٍ أخلاقي يحفظ مكتسباته.

 

وحين يتراجع ماء الوجه لا تتأثر علاقة الإنسان بنفسه فحسب بل تمتد الآثار إلى محيطه كله فتضعف الثقة وتتراجع المسؤولية ويصبح تجاوز الحدود أمرًا مألوفًا وتفقد الكلمة وزنها لأن الضمير الذي كان يسبق القانون في ردع الخطأ لم يعد حاضرًا بالقدر الذي يحفظ للمجتمع توازنه.

 

إن المحافظة على ماء الوجه ليست خوفًا من الناس بل احترامًا للنفس وليست حرصًا على الصورة بل وفاءً للمبدأ. فالإنسان الكبير ليس من لا يخطئ وإنما من يعرف متى يعترف ومتى يعتذر ومتى يعود إلى الحق دون أن يمنعه الكبر أو المكابرة.

 

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا بقي من ماء الوجه؟

 

فالإنسان قد يخدع الناس مرة لكنه لا يستطيع أن يخدع ضميره كل مرة.

 

ولعل الإجابة أن القوانين والأنظمة قادرةٌ على ضبط السلوك لكن لا قانون يصنع الضمير ولا عقوبة تُعيد قيمةً تخلّى عنها الإنسان بإرادته فالمجتمعات لا تحفظها الأنظمة وحدها بل تحفظها الأخلاق التي يعيشها الناس قبل أن يطالبوا بها غيرهم وماء الوجه ليس إرثًا من الماضي بل قيمةٌ يحتاجها كل حاضرٍ يريد أن يبقى جديرًا بالاحترام.