الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ مايو-٢٠٢٦       3465

بقلم- د. علي بن  عالي  السعدوني.
لم تكن المملكة العربية السعودية يومًا مقصّرة في ملف الطرق بين المدن والمحافظات، ولم يكن ما أُنجز في هذا القطاع مجرد أعمال تعبيد عابرة تُسجَّل في تقارير المشاريع السنوية ثم تُنسى، وإنما كان مشروعًا وطنيًا كبيرًا ارتبط بفكرة الدولة الحديثة التي تدرك أن الطريق ليس مجرد مساحة إسفلتية تصل بين نقطتين على الخريطة، وإنما هو شريان حيوي تتنفس من خلاله التنمية الاقتصادية، وتتحرك عبره التجارة، وتُبنى عليه تفاصيل الحياة اليومية للمواطن؛ لأن الموظف الذي ينتقل إلى مقر عمله، والطالب الذي يسافر إلى جامعته، والمريض الذي يبحث عن مركز طبي متخصص، والأسرة التي تقطع المسافات الطويلة بين المدن من أجل الزيارة أو العلاج أو الاستقرار المعيشي جميعهم لا ينظرون إلى الطريق بوصفه خدمة ثانوية، وإنما بوصفه جزءًا من أمنهم الشخصي واستقرارهم النفسي وحقهم الطبيعي في الوصول الآمن الكريم.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي القول إن الدولة دفعت على هذه الطرق مبالغ هائلة، وأنفقت عليها من الجهد والتخطيط والرقابة ما يجعلها واحدة من أكبر شبكات الطرق في المنطقة، ولم يكن ذلك الإنفاق ترفًا ماليًا ولا مشروعًا شكليًا لتحسين الصورة، وإنما كان استثمارًا مباشرًا في الإنسان وفي استقرار المجتمع وفي بناء اقتصاد متصل الأطراف؛ لأن الوطن الواسع لا يمكن أن تتحقق فيه التنمية المتوازنة إذا بقيت المدن معزولة عن بعضها أو تحولت الرحلة بين منطقة وأخرى إلى مغامرة يومية مليئة بالخطر والقلق والتأخير.
غير أن المحافظة على هذا المنجز الكبير لا تقل أهمية عن إنشائه، فالطريق الممتاز عند افتتاحه قد يفقد كثيرًا من قيمته بعد سنوات إذا غابت الصيانة الدقيقة المستمرة، وتأخرت معالجة الحفر والتشققات، وضعفت الإنارة في المسارات الحيوية، واستمر خطر الحيوانات السائبة على الطرق السريعة، وبقيت الشاحنات الثقيلة تسير في المسار ذاته مع المركبات الصغيرة بما يحمله ذلك من تفاوت كبير في الحجم والخطورة واحتمالات الحوادث، وفي هذا لا تكون المشكلة في أصل المشروع، وإنما في فلسفة التشغيل التي تحتاج إلى تطوير يواكب حجم ما أُنجز ويحفظه من التآكل البطيء.
ومن هذا المنطلق يظهر اقتراح جدير بالنظر أمام وزارة النقل والخدمات اللوجستية، يتمثل في خصخصة تشغيل بعض الطرق الحيوية بين المدن، لا بمعنى التخلي عن مسؤولية الدولة أو نقل العبء الكامل إلى المواطن، وإنما بمعنى بناء شراكة تشغيلية أكثر كفاءة وانضباطًا، تبقى فيها الوزارة صاحبة القرار والرقابة وواضعه الاشتراطات الصارمة، بينما تتولى شركات متخصصة مسؤولية التشغيل اليومي والصيانة المستمرة ورفع مستوى الجودة، بحيث يصبح الطريق خدمة واضحة المعايير لا مساحة مفتوحة للاجتهادات والتأخير وتبادل الأعذار بين الجهات.
الخصخصة في هذا  ليست انتقاصًا من دور الدولة، وإنما هي انتقال من نموذج الإدارة التقليدية إلى نموذج أكثر وضوحًا في المسؤولية والمحاسبة، حيث تصبح الشركة المشغلة مسؤولة بصورة مباشرة عن جودة السفلتة، وسرعة إصلاح أي خلل يظهر على الطريق، ومعالجة الحفر قبل أن تتحول إلى سبب لحوادث قاتلة، وإنشاء مسارات مستقلة للشاحنات الثقيلة التي لا يجوز أن تبقى في المسار نفسه مع السيارات الصغيرة؛ لأن هذا الاختلاط ظل لسنوات أحد الأسباب الصامتة لكثير من الحوادث المؤلمة، كما تصبح مسؤولة عن إقامة سياج ممتد يمنع دخول الحيوانات السائبة، وعن توفير إنارة مستمرة تحفظ للمسافر سلامته في الليل كما تحفظها الحواجز في النهار.
ويمكن أن يقوم هذا النموذج على رسوم عبور معقولة تُحصّل كل مائتين وخمسين كيلومتر عبر نقاط دفع واضحة ومنظمة تُنشأ على امتداد الطريق في مواقع مخصصة لهذا الغرض، بحيث يصل المسافر إلى منطقة دفع معروفة ومهيأة لا تعطل الحركة ولا تربك السير، وتكون رسوم السيارات الصغيرة مختلفة عن رسوم الشاحنات الثقيلة وفق حجم الاستخدام وتأثير كل فئة على الطريق، وبذلك لا يتحول الدفع إلى عبء مفاجئ، وإنما يصبح جزءًا مفهومًا من عقد خدمة واضح يدفع فيه المواطن مقابل طريق مضمون الجودة، وصيانة مستمرة، وخدمة طوارئ فعالة، وتعويض مباشر عند وقوع أي ضرر ناتج عن تقصير الشركة المشغلة.
 وفي هذا  تتحقق فائدة مهمة أخرى تتعلق بتقليل الأعباء المالية السنوية التي تتحملها الدولة، فالمملكة تنفق كل عام مبالغ ضخمة جدًا على صيانة هذه الشبكات الواسعة من الطرق ومتابعتها وتشغيلها، والخصخصة المنظمة لا تعني تحميل المواطن كلفة جديدة بقدر ما تعني توزيع المسؤولية المالية والتشغيلية بصورة أكثر كفاءة، بحيث يصبح القطاع الخاص شريكًا في المحافظة على هذا المنجز الوطني، بينما تتفرغ الدولة لتعزيز الرقابة ورفع المعايير وتوجيه جزء من هذه الموارد إلى مشاريع تنموية أخرى تخدم جودة الحياة بصورة أشمل وأوسع.
والناس في حقيقتها لا ترفض الدفع حين ترى أمامها خدمة حقيقية تحفظ سلامتها وتختصر قلقها، وإنما ترفض أن تدفع بصورة غير مباشرة من خلال الحوادث، وتعطل المركبات، واستهلاك الإطارات، وتأخر الوصول، واستنزاف الأعصاب على طريق كان يفترض أن يكون أكثر أمانًا واستقرارًا، فالمجانية التي تستهلك العمر والمال ليست مجانية حقيقية، والطريق الذي يُدار بكفاءة وعدالة وشفافية قد يكون أقل كلفة على المواطن وأكثر نفعًا من طريق يبدو مجانيًا في الظاهر بينما يدفع الناس ثمنه كل يوم من صحتهم وأموالهم وطمأنينتهم.
وهذا التصور ينسجم تمامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي لم تنظر إلى البنية التحتية بوصفها مجرد مشاريع إنشائية تُفتتح وتُصوَّر ثم تنتهي، وإنما بوصفها جزءًا أصيلًا من جودة الحياة؛ لأن المواطن الذي يعيش في وطن يقود أكبر مشروع تحول اقتصادي وإداري في المنطقة لا ينبغي أن يشعر بالقلق في الطريق بين مدينة وأخرى، وجودة الحياة لا تبدأ من الأبراج الكبرى وحدها، وإنما تبدأ من التفاصيل اليومية التي تحمي الإنسان وتحفظ كرامته، والطريق الآمن واحد من أهم هذه التفاصيل وأكثرها التصاقًا بحياة الناس.
إن المملكة التي استطاعت أن تبني نموذجًا عالميًا في التحول الاقتصادي والإداري قادرة كذلك على أن تجعل طرقها بين المدن نموذجًا آخر في الكفاءة والانضباط، وأن تنتقل من مرحلة تعبيد الطريق إلى مرحلة صناعة الثقة في الطريق؛ لأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الكيلومترات المعبدة فقط، وإنما بقدرة تلك الكيلومترات على أن تحفظ الأرواح، وتمنح الناس طمأنينة السفر، وتؤكد أن الإنسان ظل وسيبقى الهدف الأول لكل مشروع تنموي حقيقي.