النهار

١٢ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ مايو-٢٠٢٦       4840

بقلم ـ علي بن ضيف الله بن خرمان الزهراني 

يعتبر النقا من العادات والقوانين القبلية القديمة التي كانت متبعة وتطبق في قبائل زهران وغامد وربما في أغلب قبائل الجنوب فقد ذكر في كتاب الأدب الشعبي في الجنوب لمؤلفه محمد أحمد العقيلي من مطبوعات نادي جازان الأدبي أن النقا في جازان يتم بقتل القاتل أو أحد قرابته ويعتبر خلاصاً في المقتول ، وقد يحدث النقا بأن يقتل أحدهم ابنه في سبب بسيط من أجل بياض الوجه وسرد قصة عن رجل يدعى ( جابر حجل ) – أذكرها بتصرف واختصار - أنه قتل ابنه بسبب قيامه بسرقة ( جوفي ) نوع من الخناجر لأحد ضيوفه كان نائماً في منزله وعندما اكتشف أن ابنه السارق استشاط غضبا وأطلق عليه النار فأرداه قتيلا وأعاد الخنجر إلى صاحبها مما حدا بالشعراء في الإشادة بموقفه وقال في ذلك الشاعر أحمد علي خديش :

يا لابتي من كجابر يعرف النقا .. اللي يغدي الحندية([1]) في ساعة اللقا

مشهور بالفعال

وشيعته تمشي بلاد البر والبحر .. تاريخ سيرته

اللي ذبح ابنه على منقوص ( جوفيه )([2])

يا بريدي سير وصل لي ديرة امحقار .. مرّه على ( جابر ) وقل له عشت في سلام

ياللي ينجي الضيف والقصاد واليسار

من سايره يركن على حقه ويمشي الضوح والظلام

والناس تشهدي

من يوم قتل ابنه ومن يشا البيضا يشلها([3])

 

قال ابن خُرمان:

أما في منطقة الباحة أورد هنا ( بتصرف واختصار) ما ذكره الأستاذ علي بن سدران الزهراني في كتابه ( بطون قبيلة زهران ) أنه في الغالب اختيار عشوائي تختار القبيلة بموجبه أحد أفرادها الخاملين أو ممن لا ترغب في وجوده بينهم ليكون خلاصاً في من قتلته من قبيلة أخرى في غير ما حرب بينهما ، وهو شبيه بالقصاص إلا أنه يقتل غير القاتل الحقيقي ويتم هذا دون علم الذي اختارته قبيلته حيث يتفقون فيما بينهم ويبلغون أهل المقتول بخطة تصفية ذلك الشخص ، كما يطبق النقا على من يقوم بالقتل في سوق القبيلة متجاوزاً عقود السوق .

( وقد أبطل الملك عبدالعزيز رحمه الله هذه العادات بأن كتب لشيوخ القبائل بإبطالها وتطبيق الشرع )([4]) .

ولم يكن النقا بالقتل إلا عن الخلاص في مقتول أما الأمور والأخطاء التي دون القتل فنقاها حسب ما يقرره عرّاف وحكماء القبيلة وقد يتنازل صاحب الحق عن حقه وتبدى له البيضاء وهي قماش أبيض تنشر راية من المكان المقرر تشير إلى جميل صاحب الحق المتنازل.

قال ابن خُرمان :

هنا سأورد بعض القصص التي حدثت والقصائد التي قيلت في النقا فمن العادات التي كانت أنه إذا قُتل قتيل من قرية أو قبيلة فلا يهدأ لذوي المقتول بال حتى يأخذوا بثاره من قرية أو قبيلة القاتل وربما من شخص ليس له شأن ثم يقيمون عرضة بمناسبة النقا تقال فيها القصائد وهذه القصيدة للشاعر الكبير علي الغبيشي رحمه الله ([5])في إحدى هذه المناسبات .

البدع :

مرحبا واهلين يا عبدالله الأصنقا([6])

ما انت باصنق ما اصنق إلا من يكن له في الخلا صناقي([7])

فان ربي ما يخلي أعمى ولا خلا صنوقها

الرد :

ايل مقبل واحدٌ منهم غدا فصلٌ خلص نقا

قلت وانا ياهنا ياحي لي ياذا الخلاص الناقي([8])

مثل نمر لا عدا في العيس يا خلاص نوقها

امتدح الشاعر في البدع الشاعر المقابل ( عبدالله الأصنق ) ويصفه بالشجاعة والاقدام ، ثم ينتقل في الردود إلى مدح آل مقبل ويمتدح القتيلين بل يعتبر أن من قتل ثأراً أفضل من السابق ويشبهه بالنمر إذا هجم على الإبل.

وهذه القصة الأخرى و القصيدة وردت في الموروثات الشعبية([9]) أن شخصاً من آل سعيدان بني حرير أتهم بقتل آخر كان مصاباً بالجدري فالتجأ إلى قرية الحكمان من بني جندب خوفاً من القتل ثم عاد بعد فترة إلى قريته وأخلي الحكمان من مسؤوليته فقُتل بعد ذلك ، فقام بني جندب بطلب النقا وفاء للشخص الذي استجار بهم إلا أن تدخل بعض كبار زهران ومعهم الشاعر الكبير محمد بن ثامرة رحمه الله أنهى المشكلة فقد برئت ساحة بني جندب حيث خرج المقتول برضاه بعد أن أبدى لهم البيضاء التي تبريء ساحتهم من المسؤولية كما أن قتله كان في قريته ، وقال الشاعر ابن ثامرة قصيدته التالية يمتدح في البدع قبائل بني عمر ويذكر وقوفهم مع زهران في قتال الأتراك وفي الردود يذكر القضية والقتل وطلب النقا ثم يبين حكم عرّاف زهران والذي أرضى بني جندب :

البدع

مرحبا في مرحبا ياعُمريٌ يوفي البشير([10])

ما دريت انك رفيق بالمحبة غير من جِبارك ([11])

في العُرُش والفارعة يوم اقبل الطابور فاقته ([12])

صفنا يوم الثلاثاء ما لقيوا فيه مدّخل

كل قرنٌ قاسيٌ يوما صباح الفارعة حبيته([13])

والشيّم ما قط حلت كل راسٌ كانعٌ دنا([14])

يالله تسقي ديرة الشيمة بناوٍ ما ينش رشاش ([15])

ما دريت العُمري لا ضاق ضقنا وان رضيوا نرضا

يوم جو حتى حصى الديرة تقل يالله حيهم

لجل أن الجندبي في مذهبٌ قبله بني عمر([16])

الردود

قدر الله واحدٌ يجدر ويفنى من بني بشير ([17])

قالوا الدا والردا والشر والضر من علي امن امبارك ([18])

وغدا يدخل على الحكمان من فتنة رفاقته

وقعد شهرين عوّد يخرج الحكمان مالدخل ([19])

وقتل بعد اطلع البيضاء لجاره وصدر في بيته

قال بن زنان بانقا في دخيل كان عندنا ([20])

والله ان البيض فال الجندبي عالٌ ينشّر شاش

ماليمن والشام ومن البحر والمشرق وعرشٌ وارضا

فال حاضرهم وغايبهم وميتهم وحيهم

واجبٌ نكسي بها حتى شجر ديرة بني عمر

وهناك العديد من القصص والقصائد وردت في كتاب الموروثات الشعبية وفي غيره من الكتب التي تهتم بتاريخ وموروث المنطقة ، وسأكتفي بالقصتين التاليتين عن النقا فيما دون القتل حدثتا في بالحكم من بني كنانة إحدى قبائل زهران إحداها رويت لي من أحد المشاركين والأخرى رويت لي نقلاً عن معاصرين للحدث.

قام رجال من قبيلة أخرى([21]) بسرقة شاة كانت لجار عند بالحكم اسمه ( علي ) فذهب رجال من بالحكم واستولوا على ثور من تلك القبيلة وأخذوا معه شاة قادوها جميعا إلى جارهم ومن الطُرُف أنهم وجدوا في الطريق ثعبانا فأمسكوه حيا وقاموا بخياطة فمه وربطوه في قرون الثور ثم ركب أحدهم يدعى ( علي سيف ) رحمه الله على ظهر الثور واتجهوا إلى جارهم بعرضة قال شاعرهم هذه الزملة القصيرة :

يا علي جيت في شاتك بثور

يكتمل في العداد وفي المحر([22])

الرد :

جاك من رد خصمه في عثور

صفقاته كما صفق البحر

أما القصة التالية فقد حدثت بين بالحكم حيث تنقسم بالحكم في تهامة والسراة إلى فرعين هما أولاد علي وتشمل قرى ( دار المسيد والقفرة والخمر والقرنطة والصداق ) والفرع الثاني بالندا وتشمل ( العامية وقراها والقاسمة وقراها ) وكانوا مجتمعين دائما بفضل الله ، وقد حدث أن أُقيم حفل ولعب وعرضة في دار المسيد فاجتمع رجال بالحكم الموجودين للمشاركة في الحفلة وكان هناك جار من قبيلة أخرى عند القاسمة فقام بعض الشباب من دار المسيد لطيشهم بالاعتداء على هذا الجار فغضب أهل القاسمة ومن حضر من بالندا حماية لجارهم فانسحبوا من الملعبة ، حينها تبادر العقلاء من أولاد علي لمناقشة الأمر واعترفوا بخطأ الشباب المعتدين وكأن النابغة يصفهم بقوله :

ولا خير في حلم إذ لم يكن له .... بوادر تحمي صفوه إن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له .... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فتداولوا الرأي بينهم وقرروا أن يكون النقا ضرب رؤوس شابين من المشاركين في الخطأ بالجنبية ليظهر منها الدم ثم اتجهوا جميعاً إلى القاسمة بعرضة والشابان في مقدمة العرضة وأثر الدم يصب في ناصيتيهما وقال الشاعر (عارف بن محمد الزهراني رحمه الله ) هذه الزملة القصيرة يشرح الوضع في البدع ويبين أن لهم مستقبلاً مثلما عليهم إن حدث مثل هذا ، وفي الردود يمتدح بالحكم وأنهم ذوي شجاعة وبأس:

يا رفيقي لفيتك بالنقا

ووراها السبل والسابلة

الردود:

حي من يطلع ارياع الشقا

ومحاجي العدا متقابلة

وبهذا انتهت المشكلة ورضي أصحاب الشأن وجارهم كذلك رحمهم الله جميعاً .

ختاماً :

ربما كانت هذه القوانين صالحة للزمن الماضي الذي لم يكن به حكومة تحفظ الأمن وتقيم العدل ، أما الآن نحمد الله الذي هيأ لنا هذه الدولة المباركة التي أحكمت الشرع وأزالت ما خالفه من قوانين ، ونسأل الله أن يحفظ على وطننا أمه وأمانه ويحفظ قيادتنا ووحدتنا . والله ولي التوفيق.

 

[1]) الحندية : الحدأة .

[2]) خنجر

[3]) من كتاب الأدب الشعبي في الجنوب ؛ تأليف محمد أحمد العقيلي .

[4]) كتاب بطون قبيلة زهران ؛ تأليف علي بن محمد سدران الزهراني.

[5]) الموروثات الشعبية ؛ تأليف علي السلوك .

[6]) شاعر من بني حرب المجاورة لتهامة زهران.

[7]) المقصود الجبان .

[8]) الرجل البارز النطيف عالي المقام .

[9]) الموروثات الشعبية لغامد وزهران ؛ تأليف علي السلوك

[10]) عمري : نسبة لقبائل بني عمرمن زهران.

[11]) جِبّارك : وقوفك مع زهران في الحرب .

[12]) العرش والفرعة : مواقع القتال .

[13]) صباح الفارعة : موقعة الفرعة .

[14]) كانع دنا : خاضع والمقصود الجبان .

[15]) ما ينش رشاش : مطر مستمر لا يتوقف .

[16]) بني عمر : وثيق البناء .

[17]) يجدر : يصاب بالجدري .

[18]) علي امن امبارك : علي بن مبارك المتهم بالقتل .

[19]) الدخل : الاستجارة .

[20]) بن زنان شيخ قبيلة بني جندب من بني عمر زهران .

[21]) حجبت اسم القبيلة احتراماً لهم و لحدوث القصة في زمن بعيد انتهى بفضل الله ثم الدولة السعودية رعاها الله .

[22]) من عدة الزراعة قديماً التي كانت تستخدم فيها الثيران .