الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ مايو-٢٠٢٦       3795

بقلم ـ د. مها ياسر

في بعض بيئات العمل، لا تكون المشكلة الحقيقية في ضغط المهام أو كثرة المسؤوليات…

بل في ذلك النوع الخفي من الممارسات النفسية التي تدفع الموظف تدريجيًا إلى الشك في نفسه، وفي كفاءته، وحتى في طريقة إدراكه للأحداث من حوله.

ويُعرف هذا السلوك في علم السلوك التنظيمي باسم

التلاعب النفسي في بيئة العمل (Workplace Gaslighting)،

وهو أحد أشكال الإساءة النفسية المهنية التي تُمارس بهدف فرض السيطرة، أو إضعاف ثقة الموظف بنفسه، أو دفعه للشعور بأنه دائم الخطأ أو المبالغة.

قد يظهر هذا السلوك في صور تبدو بسيطة ظاهريًا، مثل:

* إنكار تعليمات أو اتفاقات سابقة رغم وضوحها.

* التقليل المستمر من الإنجازات والجهود.

* التشكيك في الفهم أو الذاكرة بعبارات مثل:

    “أنت فهمت بشكل خاطئ”

    “أنت حساس أكثر من اللازم”

    “هذا لم يحدث أصلًا”.

* تحميل الموظف مسؤولية أخطاء تنظيمية لا تخصه.

* التقليل من آرائه أو إحراجه أمام الآخرين بشكل متكرر.

ومع الوقت، لا ينهك هذا السلوك الأداء فقط…

بل يبدأ الشخص في فقدان ثقته بنفسه وبقراراته، حتى وإن كان يمتلك كفاءة حقيقية وخبرة جيدة.

ويشير Edgar Schein إلى أن الثقافة التنظيمية لا تؤثر فقط على طريقة العمل، بل تؤثر أيضًا على الطريقة التي يرى بها الموظف ذاته داخل المؤسسة.

كما تؤكد Amy Edmondson في أبحاث “الأمان النفسي” أن الموظف الذي يعمل في بيئة يسودها الخوف والتشكيك المستمر يفقد تدريجيًا قدرته على المبادرة والإبداع والتعبير عن أفكاره بثقة.

أما Peter Drucker فقد لخّص أثر الثقافة السامة بقوله الشهير:“الثقافة التنظيمية تأكل الاستراتيجية على الإفطار.”

كيف تحمي نفسك من هذا النوع من التلاعب؟

* وثّق التعليمات والاتفاقات المهمة كتابيًا.

* احتفظ بسجل لإنجازاتك ومساهماتك المهنية.

* لا تجعل التكرار المستمر للتقليل منك يغيّر تقييمك الحقيقي لنفسك.

* اطلب توضيحًا مهنيًا عند تضارب التعليمات أو الاتهامات غير الواضحة.

* فرّق بين النقد المهني الطبيعي… وبين النمط المتكرر الذي يستنزف ثقتك بنفسك.

في النهاية…

ليس كل ضغط في العمل طبيعيًا، وليس كل نقد تطويرًا.

فالبيئات المهنية الصحية تبني الثقة، أما البيئات السامة فتجعل الإنسان يقضي وقته محاولًا الدفاع عن إدراكه لنفسه وقدراته بدلًا من تطويرها