بقلم- د. مها ياسر
هناك فرق كبير بين النصيحة والإسقاط.
فبعض الناس حين ينصحونك، لا يرونك أنت… بل يرون أنفسهم، ومخاوفهم، وتجاربهم المحدودة، وحدودهم التي لم يجرؤوا يومًا على تجاوزها.
لهذا قال جلال الدين الرومي:
“إذا عزمت على السفر، فلا تطلب المشورة ممن لم يغادر بيته قط.”
والمقصود هنا ليس السفر الجغرافي فقط، بل كل رحلة في الحياة:
* مشروع جديد
* تغيير وظيفة
* دراسة مختلفة
* قرار زواج أو انفصال
* انتقال مهني
* تأسيس شركة
* أو حتى قرار التعافي والتغيير الداخلي
فكثير من الناس يخافون الطرق التي لم يسلكوها، ويقاومون الأحلام التي لم يملكوا شجاعة خوضها.
الناس تنصح من زاوية خوفها لا من زاوية حلمك
في علم النفس، يُعرف هذا بما يسمى التحيز الإدراكي الناتج عن الخبرة الشخصية؛ إذ يميل الإنسان إلى تفسير العالم وفق تجاربه هو، لا وفق واقع الشخص الآخر.
وقد قال عالم النفس الشهير كارل يونغ:
“كل ما لا نعيه في أنفسنا، يظهر لنا على هيئة قدر في حياة الآخرين.”
ولهذا أحيانًا:
* الشخص الذي فشل في التجارة… يحذرك من الاستثمار.
* والذي خذلته العلاقات… يخوفك من الحب.
* والذي عاش عمره في منطقة الأمان… يراك متهورًا فقط لأنك تجرؤ على المحاولة.
بينما الحقيقة أن ظروفك، وطاقتك، وشخصيتك، وزمنك… مختلفة تمامًا عنه.
في العمل والإدارة… أخطر القرارات هي التي تُبنى على خوف الآخرين
كم من موظف بقي سنوات في وظيفة تستنزفه لأن أهله قالوا له:
“اتمسك بالأمان.”
وكم من رائد أعمال أضاع فرصة عظيمة لأن الجميع حوله كان يرى المخاطرة جنونًا!
في عالم الإدارة، يقول بيتر دراكر:
“أكبر خطر في أوقات الاضطراب ليس الاضطراب نفسه، بل التصرف بعقلية الأمس.”
فبعض النصائح تُولد من زمن قديم لا يناسب الحاضر.
الأهل — بدافع الحب غالبًا — يميلون إلى حماية أبنائهم من الألم، لكن الحماية الزائدة أحيانًا تمنع النمو.
هم يريدون لك النجاة… بينما أنت ربما تحتاج التجربة.
مثال من الحياة العملية
شاب عُرضت عليه فرصة عمل خارج بلده براتب جيد وخبرة قوية.
الأهل رفضوا الفكرة بشدة:
* “الغربة صعبة.”
* “ابقَ قريبًا.”
* “الوظيفة الحالية مضمونة.”
بعد سنوات، بقي في مكانه بينما زملاؤه الذين خاطروا اكتسبوا خبرات، وشبكات علاقات، ونضجًا مهنيًا غيّر حياتهم بالكامل.
هل كان الأهل يكرهونه؟ بالطبع لا.
لكنهم نظروا بعين خوفهم هم، لا بعينه هو.
وفي ريادة الأعمال تحديدًا
أي مشروع ناجح اليوم كان يومًا ما فكرة “مجنونة” في نظر الآخرين.
عندما أراد ستيف جوبز تغيير شكل صناعة الهواتف، لم يكن الجميع مقتنعين.
وعندما تحدث إيلون ماسك عن السيارات الكهربائية والرحلات الفضائية، اعتبره كثيرون حالمًا أكثر من اللازم.
الفرق أن أصحاب الرؤية يسمعون النصيحة… لكنهم لا يسمحون للخوف الجماعي أن يقتل بصيرتهم.
ليس كل من يحبك… يصلح لإعطائك قرارًا
وهنا تكمن الحكمة.
ليس المطلوب أن نتمرد على آراء من حولنا، ولا أن نتجاهل النصيحة، بل أن نسأل:
* هل هذا الشخص يملك خبرة حقيقية فيما أنوي فعله؟
* هل جرّب الطريق فعلًا؟
* هل ينصحني بعقل مفتوح أم بخوف متراكم؟
* هل يرى إمكانياتي… أم يرى حدوده الشخصية؟
في الإدارة الحديثة، تُسمى هذه الفكرة:
Contextual Decision Making
أي اتخاذ القرار وفق سياق صاحب القرار نفسه، لا وفق قوالب عامة.
النصيحة الحقيقية تبدأ بالتعاطف
وأجمل نصيحة هي التي يحاول فيها الإنسان أن يخلع نظارته الخاصة، ويرى الحياة من موقع الشخص الذي أمامه.
أن يسأل نفسه:
“لو كنت مكانه، بظروفه، وشخصيته، وطموحه، ومخاوفه… ماذا كنت سأختار؟”
هذه هي النصيحة الناضجة.
أما النصائح الجاهزة التي تخرج من الخوف أو التعميم أو التجارب الشخصية المحدودة، فقد تحمي الإنسان أحيانًا… لكنها قد تحرمه أيضًا من أعظم احتمالات حياته.
وقد قال الفيلسوف سورين كيركغور:
“أن تجرؤ يعني أن تخسر توازنك للحظة، أما ألا تجرؤ فمعناه أن تخسر نفسك.”
الخلاصة
استمع للجميع… لكن قرر بعقلك أنت.
خذ المشورة ممن سار في الطريق، لا ممن خاف منه فقط.
واطلب النصيحة من شخص يرى إمكانياتك، لا من شخص يريد فقط أن يطمئن على بقائك في منطقة الأمان.
ولمن يُسأل عن رأيه:
لا تُسقط مخاوفك على غيرك، بل حاول أن تنظر للحياة من نافذته هو، لا من نافذتك أنت.
فربما ما تراه مخاطرة… يراه هو فرصته الوحيدة للحياة