النهار

١١ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ مايو-٢٠٢٦       2805

بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني 

حين يُستعرض نجاح قطاع الترفيه في المملكة العربية السعودية خلال الأعوام العشرة الماضية فإن الحديث لا يتعلق بمواسم عابرة أو فعاليات مؤقتة تنتهي بانتهاء المناسبة، وإنما يتعلق بتحول وطني عميق أعاد صياغة مفهوم الترفيه بوصفه صناعة اقتصادية وثقافية واجتماعية أصبحت جزءًا أصيلًا من مشروع الدولة الحديثة، حتى غدا هذا القطاع شاهدًا حيًا على قدرة الرؤية السعودية في تحويل الأفكار الكبرى إلى واقع ملموس يلامس حياة الناس ويصنع أثرًا اقتصاديًا يمتد إلى الداخل والخارج.

فأكثر من ستين موسمًا وبرنامجًا ترفيهيًا لم تكن مجرد مناسبات احتفالية، وإنما كانت محطات متتابعة لبناء صناعة جديدة استطاعت أن تستقطب ثلاثمائة وعشرين مليون زائر، وهو رقم يكشف حجم الثقة المجتمعية في هذا التحول، ويؤكد أن المواطن والمقيم والزائر وجدوا في المملكة مساحة ترفيهية متكاملة تجمع بين المتعة والمعرفة والسياحة والاقتصاد في مشهد واحد يحمل روح العصر ويحافظ على هوية المكان.

ثم إن دعم أكثر من ستمائة وخمسين شركة عبر برامج الهيئة، مع وجود ثمانية وثلاثين ألف نشاط ترفيهي مرخص في المملكة، يكشف أن الترفيه لم يعد نشاطًا استهلاكيًا محدود الأثر، وإنما أصبح بيئة استثمارية متكاملة تصنع الفرص وتفتح أبواب النمو أمام القطاع الخاص، وتؤسس لمسار اقتصادي جديد يخلق الوظائف ويمنح الشباب مجالات أوسع للمشاركة والإبداع، ويكفي أن المشروع وفر خمسة وعشرين ألف فرصة وظيفية ليؤكد أن الترفيه أصبح موردًا اقتصاديًا حقيقيًا لا هامشًا ثانويًا.

ولا سيما أن نجاح أي قطاع لا يُقاس فقط بحجم الإنفاق وإنما بجودة التنظيم والحوكمة، فإن أكثر من مئتين وخمسين ألف زيارة رقابية لرفع الامتثال والجودة، إلى جانب مئة وأربعين ألف متدرب ضمن برامج التأهيل والتطوير، وألف ومئة وخمسين ورشة وجلسة إرشادية لتنمية الكفاءات الوطنية، تؤكد أن المملكة لم تكتف بصناعة الحدث، وإنما بنت المنظومة التي تضمن استمراره وجودته واحترافيته.

وفي المشهد الرقمي والإعلامي تتضح صورة النجاح بشكل أكثر اتساعًا، فالمحتوى الترفيهي السعودي حقق وصولًا عالميًا بلغ مليارًا وأربعمائة مليون، وسجل مليارًا وتسعمائة مليون مشاهدة للمحتوى والفعاليات، مع سبعة وأربعين مليون تفاعل عبر المنصات الرقمية، وخمسين مليون تفاعل حقيقي لمنصة عيشها، وثلاثة ملايين ونصف متابع للمنصة نفسها، وهي أرقام تعلن أن المملكة لم تعد تستهلك المحتوى فقط وإنما تصنعه وتصدره وتفرض حضوره عالميًا بثقة الكبار.

ثم تأتي الفعاليات الكبرى لتؤكد هذا الحضور العالمي، فنزال القرن حقق واحدًا وأربعين مليون مشاهدة عالمية مع حضور سبعين ألف متفرج، بينما وصلت فعالية Joy Awards 2026 إلى عشرين مليار وصول إعلامي، وهو رقم لا يُقرأ بوصفه نجاحًا إعلاميًا فقط، وإنما باعتباره إعلانًا صريحًا عن قدرة المملكة على صناعة حدث عالمي يلتفت إليه العالم ويمنح الرياض موقعها المستحق في خارطة الترفيه الدولية.

وفي مشروع على خطاه يظهر الوجه الأعمق لهذا التحول، إذ يمتد المشروع على أربعمائة وسبعين كيلومترًا، ويضم واحدًا وأربعين معلمًا تاريخيًا، ومئة وثمانين مطعمًا ومتجرًا، واستفاد منه مليون شخص، ليقدم نموذجًا يؤكد أن الترفيه في السعودية ليس انفصالًا عن الهوية، وإنما عودة ذكية إلى الجذور بصياغة حديثة تجعل التاريخ جزءًا من التجربة الإنسانية اليومية.

أما القيمة التجارية التقديرية لموسم الرياض التي بلغت ثلاثة مليارات ومئتي مليون دولار، وجوائز القلم الذهبي التي وصلت إلى سبعمائة وأربعين ألف دولار، مع أكثر من ثلاثين رقمًا قياسيًا في موسوعة غينيس، وعشر شهادات دولية في الجودة والإدارة والامتثال، وستة أرقام قياسية حققها برنامج عطر الكلام، فهي تؤكد أن المملكة لم تبنِ قطاعًا ترفيهيًا فحسب، وإنما صنعت علامة اقتصادية وثقافية عالمية تحمل اسم السعودية بثقة وتأثير.

هكذا تحول قطاع الترفيه السعودي من فكرة يُنظر إليها بوصفها رفاهية اجتماعية إلى محرك اقتصادي واستثماري وإعلامي عالمي، وأصبح جزءًا من صورة المملكة الجديدة التي تعرف أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المدن، وأن الفرح حين يُدار بعقل الدولة يصبح صناعة وطنية تفتح أبواب المستقبل وتمنح الوطن حضورًا أكثر رسوخًا في ذاكرة العالم.