النهار

١٠ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ مايو-٢٠٢٦       4730

بقلم ـ عبدالله الكناني 
حين تتحول  خدمة ضيوف الرحمن  إلى رسالة وطن، وتغدو العناية بالحاج والمعتمر والزائر ثقافة مجتمع كامل قبل أن تكون مهمة جهة أو مسؤولية قطاع، فإننا لا نقف أمام مشهد تنظيمي عابر، بل أمام تجربة حضارية متكاملة صنعتها المملكة العربية السعودية عبر عقود طويلة من العمل المتراكم والخبرة العميقة والرؤية التي ترى في خدمة الحرمين الشريفين شرفًا تاريخيًا لا يوازيه شرف، ومسؤولية دينية وإنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة والزمن.
لم يكن ما رأيته في طرقات مكة المكرمة ومنافذها ومداخلها ومشاعرها المقدسة مجرد تنظيم موسمي تُتقنه دولة تمتلك الإمكانات، بل كان مشهدًا إنسانيًا وحضاريًا يختصر معنى الرسالة التي اختص الله بها هذه البلاد المباركة، حين شرّفها بخدمة بيته الحرام ومسجد نبيه الكريم، وجعلها موطنًا لأعظم رحلة إيمانية يشهدها العالم كل عام.

وأنا أتجول بعد سنوات من العمل الميداني في خدمة الحجيج، عدتُ أرى المشهد بعين مختلفة؛ عين الزائر المتأمل الذي يقرأ التفاصيل الصغيرة قبل الصور الكبيرة، فيدرك أن ما يحدث ليس عملاً وظيفيًا تؤديه الجهات الرسمية فحسب، وإنما ثقافة وطن كاملة تربّى عليها الإنسان السعودي، حتى أصبحت  خدمة ضيوف الرحمن  جزءًا من هويته ووجدانه وسلوكه اليومي.

في كل منفذ، وفي كل طريق، وفي كل نقطة فرز أو استقبال، ترى رجالًا ونساءً يعملون بمحبة وإقبال، يرحبون بالحاج قبل أن يسألوه، ويبتسمون له قبل أن يوجهوه، ويختصرون له الطريق قبل أن يطلب المساعدة. هناك لغة إنسانية واحدة تجمع الجميع رغم اختلاف الجنسيات والألوان واللغات؛ إنها لغة “حياكم الله” التي تختصر روح السعودية كلها.

وحين يصل الحاج إلى هذه البلاد، فإنه لا يواجه ازدحام موسم ضخم فحسب، بل يدخل إلى واحدة من أكبر المنظومات التشغيلية والخدمية في العالم، حيث تعمل عشرات القطاعات الأمنية والصحية والخدمية والتطوعية والتقنية بتناغم استثنائي يجعل ملايين البشر يتحركون بانسيابية في مساحة وزمن محدودين، دون أن يفقد الإنسان شعوره بالطمأنينة أو الكرامة أو الاحترام.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن المملكة سخّرت في موسم حج 1447هـ مئات الآلاف من العاملين والمتطوعين لخدمة الحجاج، إلى جانب منظومات تقنية متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل الحشود والتطبيقات الذكية، فيما جرى رفع الطاقة التشغيلية لقطار الحرمين السريع إلى أكثر من 2.2 مليون مقعد عبر آلاف الرحلات، وتوسعت خدمات النقل والتفويج والإرشاد الصحي والأمني بشكل غير مسبوق، في امتداد لرؤية المملكة 2030 التي جعلت  خدمة ضيوف الرحمن  أحد أهم برامجها الاستراتيجية.

وما يلفت النظر حقًا أن هذه الجهود العظيمة لا تظهر في صورة استعراض إعلامي بقدر ما تظهر في تفاصيل السلوك اليومي؛ في رجل الأمن الذي يرحب بك بلطف وهو يطبق النظام، وفي الموظف الذي يختصر عليك الإجراءات بابتسامة، وفي المتطوع الذي يبحث عن حاج تائه قبل أن يطلب منه المساعدة، وفي ذلك الانضباط الهادئ الذي يجعل ملايين البشر يتحركون بثقة وسكينة.

إنها ليست مجرد إدارة لحشود بشرية، بل إدارة لمشاعر إنسانية وروحانية عظيمة، لأن الحج ليس مناسبة عادية، وإنما شعيرة تتجسد فيها آيات الله في مكان مقدس وزمن محدود، يفد إليها المسلمون من كل فج عميق وهم يحملون الشوق والدعاء والرجاء، ولذلك فإن خدمة هؤلاء ليست عملاً إداريًا مجردًا، بل رسالة شرف وأمانة عظيمة.

لقد استطاعت المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان(يحفظهما الله) أن تنقل مفهوم خدمة الحجيج من الجهد التقليدي إلى مفهوم الإدارة الحضارية الشاملة، حيث تتكامل التقنية مع الإنسان، ويتكامل الأمن مع الرحمة، ويتكامل النظام مع الاحترام، لتتحول رحلة الحج إلى تجربة إيمانية وإنسانية فريدة يعيش فيها الحاج قيمة العناية منذ لحظة وصوله حتى مغادرته.

وفي كل عام، تثبت السعودية أنها لا تخدم الحجاج بوصفها دولة تمتلك المقدسات فقط، بل بوصفها وطنًا يؤمن أن  خدمة ضيوف الرحمن  شرف لا يضاهيه شرف، وأن الدعوات الصادقة الخارجة من قلوب الملايين هي أعظم وسام يمكن أن يناله العاملون في هذه المنظومة المباركة.

هنا، لا يعمل الناس من أجل موسم عابر، بل من أجل رسالة عمرها مئات السنين.
وهنا، لا تُقاس الجهود بحجم الإنفاق وحده، بل بحجم الطمأنينة التي يشعر بها الحاج وهو يقول:
“لبيك اللهم لبيك”.