جمعان الكرت
بقلم- جمعان الكرت
دَرَجت عادة الشعراء الشعبيين بمنطقة الباحة على البدء في استهلال قصائدهم الشعرية بكلمات: (يقول، قال، إنه يقول)، من أجل شدِّ انتباه المستمع، على اعتبار أن الحس السمعي هو السائد والمؤثر قبل ظهور القنوات الفضائية وما تضخه من سيل المعلومات والأخبار والصور وغيرها، وتأكيدًا لما يقوله الشاعر ينسب القول لنفسه. ومن بين الشعراء الشعبيين المجيدين الشاعر جارالله الزهراني من أهالي قرية رباع من نقاع بني حسن، صاحب القصيدة الشهيرة: (يقول جارالله واش حدّك على نجد الأقصى).
وفي القصيدة التي نستعرض جمالياتها، مقاربةً لبوح الشاعر، نراه قد استهل قصيدته بقوله:
«يقول جارالله يا وجه القمر وابتسامة»، وهنا يأخذ المعنى عدة دلالات، أولها أن المقربين منه يعرفون بأن ما يقوله جدير بالاستماع، لوثوقهم فيما يقوله، ولمعرفتهم بمكانته الاجتماعية في محيط القرى المجاورة، فضلًا عن إدراك الشاعر بأن ما سيقوله ستتناقله الركبان لقوة شاعريته وصدق مشاعره.
وهنا يصف محبوبته، أو أي امرأة، بوجه القمر، ولم يكتفِ بهذا، بل زاد وصفًا حركيًّا يتمثل في الابتسامة، والقمر خليل الشعراء عربًا وعجمًا، وبه ومن خلاله تزداد لواعج العشاق، خصوصًا إذا كان القمر وضّاحًا لا تحجبه الغيوم، عندها يكون مناجيًا قريبًا من الفؤاد، ينضح بشعاعه الفضي ليملأ الكون حبورًا، ويسمح للعشاق أن يفضوا بلواعج حبهم، فتتماهى فراشات العشق، وتتبرعم ورود المحبة.
لم يتوقف جارالله عند هذا الوصف الشفيف في كون وجه حبيبته كوجه القمر الوضّاح، بل زاد شيئًا لم يدر في خلد الكثير من الشعراء الشعبيين، وهي الابتسامة؛ امرأة كابتسامة، تختزل هذه العبارة دفترًا من دفاتر العشاق، ولو كتبها شاعر فصيح لوقف أمام هذا الوصف النقاد كثيرًا: «وجهك ابتسامة». فشاعرنا أنشد بهذه القصيدة قبل ما يزيد على ثمانين عامًا.
وحتى يكتمل جمال المكان بالوجدان الذي يملأ جوانحه، ربط المرأة بأخريات جميلات، إلا أنهن أقل جمالًا، حيث إن محبوبته كالقمر بهاءً وحسنًا وضياءً، وهن كسهيل اليماني وزحل والمريخ وعطارد، التي تشع متلألئة، وهذه النجوم والكواكب اللافتة في قبة السماء تزيد من ألق وبهاء محبوبته، وبهذا يضع لمحبوبته مكانة أعلى وأسمى، ويحق للشاعر أن يتباهى، سيما وأن الجو مفعم بأحاسيس متدفقة.
وماذا بعد رحيل الليل، وما الذي سيأتي؟ إنه النهار بوضوحه وإشراقة شمسه ودفئه، عندها لا بد من اللجوء إلى الفيء تحت أغصان الأشجار الخضراء. ينعطف الشاعر مرة أخرى ليبوح بما جال في ذهنه ويعتمل في صدره، ونتيجة للتقارب الروحي بينهما، ومن خلال نظراتهما لبعضهما، يبوح لها بأنه يعرف ما يجول في صدرها من لواعج الحب.
ويواصل الغزل بوصفه أهداب عينيها كريش النعام من كثافته، يظلل المكان، وليس شرطًا أن يكون الظل بالمفهوم الشائع، بل بشيوع الود. أما جسدها فيأخذ من عود القنا تلدّنًا، ومن شجر الموز نعومةً في ملمسه، ويجيء إلى التفاصيل بتشبيه بياض أسنانها ببياض ونقاء البرد، والعيون «كالعوّام» أي شديدة سواد النون. والعوّام ـ لمن لا يعرفه ـ كائن مائي لطيف المنظر ينزلق على سطح الماء، يشبه إلى حد كبير العين.
وهذه المرأة الحسناء حتمًا ستكون مطمعًا للكثيرين، وحتى يجنبها الشرور، يدعو الله أن يحمي قائد الصيد من الحسّاد. يعود الشاعر إلى ذاته من أجل طلب الصبر، مع البوح بالشجن لصديقه، ويضيف بأن الأرض تحوي الشجر والزرع لتأنس بالناس، والناس يأنسون بها.
يعود لذاته رافضًا اللحف، أما صديقه فقد استبدل امرأة بأخرى، وهذا ما سبب لهما الانشغال الذهني، أما هو فيكفيه فقط النظر في وجه القمر، الذي هو في الواقع وجه حبيبته، والتي لن يمل من رؤيتها أبدًا.
أما الرد فكان أكثر إبداعًا، ولربما نأتي لمقاربة القصيدة في قادم الأيام ـ بمشيئة الله ـ مع إبراز فرادة الشعر الشعبي بالمنطقة، بتطابق الكلمات الأخيرة في البدع والرد مع اختلاف المعنى، بما يُعرف بالجناس.
الـــــــــــــبـــــــــــــدع :
يـقـول جـــار الله يـاوجــه الـقـمـر وابتـسـامـه
مـــع سـهـيـل اليـمـانـي زاد نـــورك وبـهــواك
لاشرف زحل واشرف المريخ واشرف عطارد
مالي ومـال النجـوم اعـرف كمـا الزهـر ميـات
لاطلعـت الشمـس يامسكيـن فاحسـن تفيّـه
حبـيـب قـلـبـي قـــدرت اقـــدره مـــن عـيـونـه
راعـي حجـاجٌ كـمـا ريــش النـعـام المظالـيـل
والعمـر عـودٌ قنـا واحسـن مــن الـمـوز رافــه
والثـغـر مـثـل الـبــرد وعـيــون عـــوام عـالـمـا
وقــايــد الـصـيــد مـالـعــدوان يـحـمـيـه ربـــــه
اصبـر علـى حكـم ربـي ياعلـي يـابـن فـرحـه
فالارض يبدي الشجـر والـزرع والنـاس نعمـه
مابغي اللّحف وانت عزلت اللّحـوف ابلحافـي
خـذتـوه شغـلـه وطـرفـي مايـمـل لامــحٌ لـــه
*
الـــــــــــــــــــــــــــرد :
ياصيد عيسان في وسط الكبـد هبـت سامـه
والقلب مشغول في قبضك وبسطك وبهواك
ما ارخصت روحك مـع القنـاص واللـي يطـارد
ماحسـن رقـاب الضبـا والعيـن تقتـل برمـيـات
لاشفت وجهـك عملـت الخيـر واحسنـت فيـه
يـاسـيـدي فانـتـظـارك والـحــرس منعـيـونـي
ابـات سهـران واهـوجـس مـعـك لا مضا.لـيـل
يــوم اتلهـمـك يطـلـع فـــي فـــوادي جـدايــل
مــن حـبــه الله ســـوى لـــه رســـومٌ زرافـــه
شفـت الاشــارة بنـظـرة عـيـن مـاخـت علـمـا
تـوقــف الـمـوتـر الـلــي سـايـقـه مـاهــرٌ بـــه
واللي يشوف القمر جاله فـي القلـب فرحـه
والله لــولا الـمــزا لاصـيــح وادعـيــه بـاسـمـه
لو قـال باسمـح تجينـي سـرت ويليـه حافـي
قلـبـي مـعـك ياقـمـر والعـهـد بـاقــي مـحـلـه