النهار
بقلم ـ علي بن عالي السعدوني
ليست المشكلة في الشعر القديم، ولا في النحو، ولا في البلاغة ذاتها؛ بل في الطريقة التي نقدّم بها هذه العلوم، وكأنها معروضات في متحف لا أدوات في يد إنسانٍ يعيش، الطالب لا يرفض أبا تمام ولا المتنبي، لكنه يعجز عن رؤية الطريق الذي يصل بين بيتٍ قيل قبل ألف عام، وبين خطابٍ يكتبه اليوم في شركة، أو حملةٍ يصوغها في سوق، أو رسالةٍ يفاوض بها عميلًا.
الخلل ليس في المادة، بل في زاوية النظر إليها، نحن ندرّس النص بوصفه غاية، بينما العالم يتعامل مع اللغة بوصفها وسيلة، ندرّس الطالب كيف يُعرب، ولا ندرّبه كيف يُقنع، نطالبه بأن يميّز بين استعارةٍ وتشبيه، ولا نريه كيف تتحول هذه الأدوات إلى قوة تأثير في الإعلان، أو إلى بناءٍ حجاجي في الخطاب القانوني، أو إلى صياغةٍ دقيقة في خدمة العملاء.
ولهذا يبدو سؤالك مشروعًا: ما جدوى تحليل عاطفة شاعر؟ وما فائدة نقد بيتٍ موزون؟ والجواب: لا جدوى إن بقيت هذه المهارات حبيسة الورق، لكنها تصبح من أخطر أدوات السوق حين تُنقل من تحليل النص إلى صناعة الأثر.
فالشاعر حين يختار لفظه، إنما يمارس ما يفعله المسوّق حين ينتقي عبارة الإعلان، والناقد حين يفكك الصورة، إنما يقترب مما يفعله محلل الخطاب حين يقرأ رسالةً إعلامية، والبلاغي حين يتحدث عن التأثير، إنما يضع الأساس لما نسمّيه اليوم الإقناع وبناء الرسائل.
المشكلة إذن أننا نفصل بين الأصل وتطبيقه، فنُخرج الطالب وهو يعرف ما قاله العرب، لكنه لا يعرف كيف يقول هو.
ولهذا فإن تجديد مواد اللغة العربية في الجامعات لا ينبغي أن يكون بإلغاء التراث، بل بإعادة توجيهه. لا نحتاج أن نُسقط المتنبي، بل أن نُدرّسه بوصفه نموذجًا للخطاب المؤثر. لا نحتاج أن نترك البلاغة، بل أن نعيد تقديمها كعلمٍ للإقناع لا كقائمة مصطلحات. لا نحتاج أن نهجر النحو، بل أن نربطه بوظيفة المعنى والدقة في السياقات المهنية.
تصور لو أن مقررات اللغة العربية أعيد بناؤها على هذا الأساس:
▪︎البلاغة تُدرّس بوصفها فن التأثير في الإعلان والإعلام.
▪︎النحو يُقدّم بوصفه أداة لضبط المعنى في العقود والخطابات الرسمية.
▪︎النقد يتحول إلى تحليل للخطاب الإعلامي والسيميائية في الصور والإعلانات.
▪︎الأدب يُقرأ باعتباره مختبرًا لنماذج التعبير الإنساني، لا محفوظاتٍ جامدة،
عندها لن يسأل الطالب: ما الفائدة؟، لأنه سيرى نفسه في ما يدرس.
إن اللغة العربية ليست تخصصًا معزولًا عن سوق العمل، بل هي قلب السوق نفسه؛ لأن كل سوق يقوم على الإقناع، وكل إقناع يقوم على خطاب، وكل خطاب لا يقوم إلا على لغةٍ واعية بنفسها.
والمفارقة أننا نملك هذا الكنز، لكننا نقدّمه بطريقة تجعله يبدو عبئًا، لا فرصة.
إعادة بناء مناهج اللغة ليست ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة تنموية؛ لأننا لا نُعدّ طالب لغة عربية فحسب، بل نُعدّ صانع خطاب، ومهندس تأثير، ومحترف تواصل. وحين تُفهم اللغة على هذا النحو، تتحول من مادة دراسية إلى مهارة حياة