النهار

٢٨ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ مارس-٢٠٢٦       13970

بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي 

في زمنٍ تتوزّع فيه الصفات ولا تجتمع، ويعلو فيه جانبٌ على حساب آخر ، تبرز شخصياتٌ نادرة تُربك التصنيف ؛ لأنها لا تنتمي إلى قالبٍ واحد، ولا تُختزل في مسار. 
شخصياتٌ تُجبرك على إعادة تعريف “الاكتمال” الإنساني، لا بوصفه مثالية، بل بوصفه توازنًا حيًّا بين ما يبدو متناقضًا.

هُنَا .. لا نتحدث عن سيرةٍ عابرة، بل عن شخصيةٍ اعتبارية تتجاوز حدود الفرد إلى فضاء الأثر ؛ إنه فضيلة الشيخ الدكتور المحامي
حمود بن سعيد النوفلي الحارثي

يقول أرسطو: “الفضيلة هي الوسط بين طرفين”، غير أن هذه المقولة -على وجازتها - تبدو قاصرة أمام بعض النماذج التي لا تكتفي بالتوازن، بل تصنع من اجتماع الأضداد حالةً متفردة..

فَهُنَا نحن أمام رجلٍ يجمع بين فصاحةٍ آسرة، وتواضعٍ أخلاقي عميق، وبين كرمٍ فطري، وحضورٍ طاغٍ … دون أن يطغى أحد هذه الأبعاد على الآخر.

إنه رجلٌ مفوّه من الطراز الأول؛ لا يلقي الكلمات، بل يُحسن توظيفها، حتى تصبح أداة بناءٍ لا مجرد وسيلة تعبير. 
وفي هذا السياق ؛ يحضر قول شيشرون: “البلاغة هي أن تقول الشيء المناسب في الوقت المناسب”؛ وهي مهارةٌ لا تُكتسب بالعلم وحده، بل تتطلب وعيًا بالسياق، وفهمًا بطبيعة المتلقي …وهو ما يتجلى في حضوره الخطابي بوضوح.

غير أن البلاغة - مهما بلغت - قد تتحوّل إلى استعلاءٍ إن لم تُهذّب بالأخلاق..وَهُنَا تتجلّى المفارقة النادرة: تواضعٌ يوازي الحضور، وكرمٌ يسبق الاسم..

وكأننا أمام تجسيدٍ عملي لمقولة كونفوشيوس: “التواضع أساس كل الفضائل”. 


فالرجل، على ما أوتي من قبولٍ واسع، لا يُحمّل نفسه ما لا تحتمل من مظاهر التكلّف، بل يظل قريبًا من الناس، بسيطًا في حضوره، كبيرًا في أثره.

ولعل هذا ما يفسّر ذلك القبول اللافت الذي حظي به؛ قبولٌ لا يُشترى، ولا يُفرض، بل يُكتسب عبر الزمن..

وكما يقول فريدريك نيتشه: “القيمة الحقيقية للإنسان تُقاس بما يتركه من أثر”.. وهو أثرٌ لا يتوقف عند دائرةٍ بعينها، بل يمتد ليشمل القبيلة والمجتمع، بل ويتجاوزهما إلى فضاءٍ أوسع.

مهنيًا ؛ تتجلى شخصية حمود النوفلي في تعدديةٍ لافتة: وكيل رئيس بالنيابة العامة بمنطقة عسير سابقًا، عضو في الغرفة التجارية، أستاذ متعاون، محامٍ، ومدرّب قانوني..

وهي أدوارٌ قد تبدو متباعدة، لكنها في هذا النموذج تلتقي في نقطةٍ واحدة: خدمة الإنسان من زوايا متعددة.

وفي هذا المعنى ؛ نستحضر فكرة ابن خلدون حين أشار إلى أن “الإنسان مدنيٌّ بطبعه”؛ أي أنه لا يكتمل إلا داخل شبكةٍ من العلاقات والأدوار..

وهذه الشبكة تحديدًا هي ما نجح في بنائه، ليس بوصفه موظفًا في مواقع متعددة، بل فاعلًا في مساحات متكاملة.

أما في الحقل الشرعي ؛ فالصورة أكثر عمقًا واتساعًا..داعية مرخّص، وإمام وخطيب، وصاحب أكثر من ثلاثة آلاف مادة علمية صوتية ومرئية، مع شروحات تمتد على مختلف علوم الشريعة..

وَهُنَا لا يعود العلم مجرد تحصيل، بل يتحوّل إلى رسالة.

ويحضر في هذا السياق قول الإمام الشافعي: “العلم ما نفع ؛ ليس العلم ما حُفظ”. 
وهو معيارٌ دقيق لقياس القيمة العلمية؛ إذ لا تُقاس بكثرتها، بل بمدى تأثيرها في حياة الناس، وهو ما يتجلّى في حضوره الدعوي، وفي مشاركاته الميدانية، خاصة في رئاسته لأكثر من عشرين حملة حج كمفتي وداعية.

اجتماعيًا ؛ يتجاوز حضوره حدود المجاملة إلى صناعة الأثر.
علاقات واسعة مع مختلف طبقات المجتمع، واهتمامٌ حقيقي بالروابط الإنسانية، وكرمٌ تجاوز الإطار القبلي ليصل إلى رموزٍ من مختلف شرائح الوطن..وَهُنَا نستحضر قول جبران خليل جبران: “القيمة ليست فيما تملك، بل فيما تعطي”.

فالكرم، في هذا السياق ؛ لم يعد فعلًا عابرًا، بل أصبح جزءًا من الهوية، حتى غدا الاسم نفسه دالًا عليه.

وفي الفضاء الرقمي ؛ لم يكن حضوره تقليديًا ، بل قدّم نموذجًا متوازنًا يجمع بين الخفة في الطرح، والعمق في المضمون..وهي معادلةٌ صعبة، تُحيلنا إلى مقولة مارشال ماكلوهان: “الوسيلة هي الرسالة”؛ حيث لا يكفي أن تمتلك الفكرة، بل يجب أن تُحسن تقديمها بما يتناسب مع طبيعة العصر.

في المحصلة ؛ نحن أمام نموذجٍ لا يمكن اختزاله في لقب، ولا احتواؤه في تعريف.
شخصيةٌ استطاعت أن تجمع بين الشريعة والنظام، بين المنبر والقانون، بين الحضور الاجتماعي والتأثير الفكري… دون أن تفقد توازنها.

وَهُنَا ؛ يمكن القول : إن حمود النوفلي الحارثي لم يصنع مجدًا شخصيًا فحسب، بل أسّس لما يمكن تسميته “نموذجًا مركّبًا” في القيادة الاجتماعية والفكرية؛ نموذجًا يُعيد الاعتبار لفكرة أن الإنسان يمكن أن يكون أكثر من شيء … إذا أحسن بناء نفسه.

وليست الندرة في أن تمتلك صفة،
بل في أن تجتمع فيك صفاتٌ تبدو متباعدة ، 
ثم تنجح في جعلها تنطق بصوتٍ واحد!!