النهار
بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي
ليست السياسة مجرد إدارة للقرار، بل فن التحكم بالعقول.
في الأيام الأخيرة ؛أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مفاوضات محتملة مع إيران وتأجيل بعض الضربات العسكرية، مطمئنًا الرأي العام بأن الأمور تتجه نحو “حل قريب”.
لكن الواقع على الأرض يقول غير ذلك: إيران نفت وجود أي محادثات مباشرة، مؤكدة أن تصريحات ترامب لا تعكس حقائق ملموسة، بل هي محاولة لكسب الوقت السياسي.
كما لاحظ جوزيف غوبلز: “إذا كُرّرت الكذبة بما يكفي ؛ بدت كأنها حقيقة”، ويشدّد بلوتارخ: “في السياسة، ما لا يُقال أحيانًا أخطر مما يُقال”.
الإعلام لا يكتفي بنقل الأخبار، بل أصبح أداة لصناعة السردية.
تصريحات ترامب حول “نجاح العمليات العسكرية” و“الاستقرار الإقليمي” تتناقض مع الوقائع: برنامج إيران النووي مستمر، والتحضيرات العسكرية الإيرانية قائمة ؛ ما يفضح الفجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع السياسي.
كما كتب جورج أورويل: “اللغة السياسية صُمّمت لتجعل الأكاذيب تبدو صادقة”، فيما يوضح نيكولو مكيافيلي: “الدبلوماسي الذكي يعرف أن الحقيقة تُصاغ أحيانًا لتخدم الهدف، وليس لتُعلَم كما هي”.
إغراق المشهد بالسطحية والتفاهات ؛ هو تكتيك آخر لإلهاء المجتمع عن القضايا الجوهرية، فـ الانتباه العام يُستنزف قبل أن يتمكن العقل من المعالجة.
كما أشار نيل بوستمان: “إذا أردت أن تُخفي شيئًا مهمًا ؛ ضعّه وسط ما هو أكثر صخبًا”، ومكيافيلي يضيف: “إلهاء الناس أحيانًا أهم من كشف الحقيقة”.
القدوات تتعرّض للتشكيك والتقليل من شأنها، وهو ما يضعف قدرة الأفراد على التمييز بين الصواب والخطأ.
يقول فريدريك نيتشه: “حين تسقط القدوات، لا يرتفع أحد ، بل ينخفض الجميع”، وأرسطو يذكّرنا: “السياسة بلا مرجعيات أخلاقية تتحوّل إلى لعبة قوة لا أكثر”.
إعادة تشكيل المفاهيم هو المرحلة الأعمق أثرًا.
تتبدّل المعاني، ويصبح الثابت متغيرًا، فتضيع القدرة على الحكم، ويصبح الإنسان أكثر قابلية للتوجيه وأقل مقاومة.
كما قال كونفوشيوس: “إذا فسدت الأسماء، فسدت المعاني، وإذا فسدت المعاني، اضطربت الأفعال”، فيما يؤكد هانز مورغنتاو: “السياسة ليست مسألة أخلاقية بقدر ما هي فن إدارة القوة”.
تناقضات الخطاب الأمريكي لا تتوقف عند ترامب:
تصريحاته حول استقلالية قراراته ؛ تتعارض مع التنسيق العسكري والاستخباراتي مع نتنياهو، بينما تؤكد المواقف الإيرانية والعراقية أن الواقع الإقليمي بعيد عن ما يُعلن رسميًا.
كما لاحظت حنة آرندت: “حين يُصبح الكذب واقعًا مُنظّمًا، لا يعود الهدف أن يصدّقه الناس، بل أن يفقدوا القدرة على التمييز”، ويؤكد مكيافيلي: “القائد الحكيم يعرف أن القدرة على تشكيل الوعي أحيانًا أهم من السيطرة على الأرض نفسها”.
هنا تكمن المفارقة الكبرى:
المسألة ليست مجرد صراع على الوقائع، بل صراع على العقول، حيث الخطاب السياسي يسبق الحقيقة، ويعيد تشكيل الواقع في ذهن المتلقي.
ومن ينجح في تشكيل الوعي…
لن يحتاج كثيرًا للسيطرة على ما بعده.