النهار
بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
في كثير من الأحيان ؛ يظن البعض أن قوة الدولة تُقاس بمدى نفوذها خارج حدودها، أو بحجم مشاريعها الإقليمية، أو بالتوسع السياسي والعسكري الذي تحققه.
لكن التجارب التاريخية تؤكد ؛ أن القوة الحقيقية تبدأ من الداخل، من العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ومن شعور هؤلاء المواطنين بأنهم شركاء في مسار الدولة لا مجرد متلقين لنتائجها.
حين يتحوّل المواطن إلى متلقٍ فقط ؛ يبدأ النظام في اختبار مصيره، وتبدأ معادلة السقوط بصمت وببطء، قبل أن تظهر نتائجها الخارجية.
تبدأ القصة من لحظة دقيقة لكنها حاسمة ؛ حين ينتقل المواطن من موقع الشريك في المسار إلى موقع المتلقي لنتائجه.
هذا التحول ليس تفصيلًا إداريًا، بل نقطة فاصلة يُعاد عندها تعريف العلاقة بين الدولة ومجتمعها.
فالدولة-في جوهرها- عقد غير مكتوب يقوم على تبادل المعنى: حماية واستقرار من جهة، ومشاركة وثقة من جهة أخرى.
وحين يختل هذا التوازن ؛ لا ينهار البناء فورًا، لكنه يبدأ في فقدان روحه، ويصبح مهددًا باضطرابات لاحقة.
وقد لاحظ ابن خلدون أن بقاء الدول مرتبط بالعمران، أي بحياة الناس واستقرارهم، لا بمجرد الغلبة أو القوة الظاهرية.
فالقوة التي لا تُترجم إلى واقع يعيشه المجتمع ؛ تبقى ناقصة، مهما بدت مكتملة في ظاهرها.
وفي تجارب التاريخ ؛ يتكرر هذا المشهد بأشكال مختلفة.
في أواخر الاتحاد السوفيتي ؛ بدا النفوذ الخارجي واسعًا وممتدًا، لكن الداخل كان يئن تحت ضغط اقتصادي واجتماعي متصاعد.
ومع اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع ؛ تراجعت القدرة على الإقناع، حتى أصبحت أدوات القوة عاجزة عن الحفاظ على التماسك.
المشكلة ليست في الحضور خارج الحدود، بل حين يأتي هذا الحضور على حساب الداخل..فالتوازن ليس خيارًا تجميليًا، بل شرط بقاء.
وقد نبّه أرسطو إلى أن استقرار الكيانات السياسية يقوم على الاعتدال؛ فإذا اختلّ التوازن، اضطرب البناء كله، مهما بدا متماسكًا من الخارج.
وحين تُوجَّه الموارد نحو مشاريع صراع مفتوحة، دون أثر ملموس على حياة الناس ؛ تتسع الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش.
هذه الفجوة لا تُقاس بالشعارات، بل بما يشعر به المواطن في يومه: في معيشته، وأمنه، وفرصه.
وهنا تحديدًا يبدأ التحول الصامت: من شريكٍ إلى متلقٍ.
وقد عبّر جون لوك عن هذا المعنى حين ربط شرعية الحكم برضا المحكومين؛ فالحكم الذي يفقد هذا الرضا، لا يسقط فورًا، لكنه يفقد مبرره، ويصبح قائمًا على إدارة الواقع لا على التعبير عنه.
التاريخ الحديث يقدّم شواهد إضافية..في الثورة الفرنسية ؛ لم يكن الانفجار نتيجة حدثٍ واحد، بل نتيجة شعورٍ متراكم بأن المواطن لم يعد شريكًا في القرار، بل متلقيًا لآثاره.
ومع غياب الشراكة ؛ تحوّلت الدولة إلى كيان منفصل عن مجتمعها، فكان السقوط نتيجة طبيعية لمسار طويل.
حتى في السياقات التي لم تصل إلى الانفجار ؛ تتكرر المؤشرات ذاتها. فالصراعات الخارجية الممتدة، كما في حرب فيتنام ؛ قد تتحول إلى عبء داخلي، يعيد طرح الأسئلة حول الأولويات، وحدود القدرة، ومعنى الاستمرار.
في جميع هذه النماذج ؛ لا يكون الخارج هو نقطة الحسم، بل الداخل. فالتحديات الخارجية قد تؤجل الأسئلة، لكنها لا تلغيها..بل إن استمرارها دون معالجة داخلية ؛ قد يجعلها جزءًا من المشكلة بدل أن تكون أداة للحل.
تتبلور الحقيقة الأكثر وضوحًا: أن الدول لا تسقط حين تُهاجم فقط، بل حين يفقد مواطنوها إحساسهم بأنهم جزء من مسارها.
وحين يصبح المواطن متلقيًا فقط، لا يبدأ السقوط كحدث مفاجئ، بل كمعادلة هادئة، تتراكم نتائجها حتى تصبح واقعًا لا يمكن تجاوزه.
في النهاية؛ قد يوسّع الخارج حضور الدولة، لكنه لا يصنع استدامتها. فالاستدامة تبدأ من الداخل، حيث يكون المواطن شريكًا في المعنى، لا مجرد متلقٍ للنتيجة.