النهار

١٧ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ مارس-٢٠٢٦       13585

بقلم - محمد الفايز

حين يتحدث سمو وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – عن أن المواطنين والمواطنات شركاء في الدفاع عن الوطن، فإن هذه الكلمات لا يمكن قراءتها بوصفها تصريحًا عابرًا، بل هي رسالة وطنية عميقة تعكس فلسفة متكاملة في مفهوم الأمن الوطني. فالدفاع عن الأوطان في العصر الحديث لم يعد مقتصرًا على السلاح والقدرات العسكرية فحسب، بل أصبح منظومة شاملة تتكامل فيها قوة الدولة مع وعي المجتمع، وتلتقي فيها جاهزية المؤسسات مع يقظة المواطن.

إن الأمن في معناه الحقيقي لا يبدأ عند الحدود فقط، بل يبدأ من داخل المجتمع، من إدراك أفراده لمسؤوليتهم تجاه وطنهم، ومن شعورهم بأن حماية هذا الكيان العظيم ليست مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية وطنية يشترك فيها الجميع. ولهذا فإن دعوة سمو وزير الدفاع إلى الإبلاغ عمّا قد يُشاهَد من صواريخ أو طائرات مسيّرة عبر تطبيق «توكلنا» تمثل نموذجًا عمليًا للشراكة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتجسيدًا لفكرة الأمن التشاركي الذي يقوم على التعاون والثقة المتبادلة.

لقد أثبتت تجارب الدول أن المجتمعات الواعية تشكل في حد ذاتها قوة استراتيجية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية. فالمواطن الواعي هو عين الوطن التي ترصد، وهو الضمير الذي يحرس، وهو الشريك الذي يدرك أن أمن بلاده جزء من أمنه الشخصي ومستقبل أبنائه. ومن هنا يصبح الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول الذي يسبق السلاح ويعززه، ويمنح المنظومة الأمنية بعدًا إنسانيًا ومجتمعيًا يجعلها أكثر قوة وتأثيرًا.

وفي المملكة العربية السعودية يتجلى هذا المفهوم بوضوح في التكامل بين جهود الدولة ووعي المجتمع. فوزارة الدفاع، بما تملكه من قدرات متقدمة ومنظومات عسكرية حديثة، تعمل على مدار الساعة لحماية سماء الوطن وأرضه، مستندةً إلى استراتيجية دفاعية متطورة وإلى كفاءات وطنية مؤهلة تسهر على أمن البلاد واستقرارها. وقد شهدت القوات المسلحة السعودية خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية في مجالات التسليح والتدريب والتقنيات الدفاعية، ما جعلها قوة رادعة قادرة على حماية المصالح الوطنية والتصدي لأي تهديد يستهدف أمن المملكة أو استقرارها.

ولا تقف منظومة الأمن الوطني عند حدود وزارة الدفاع فقط، بل تمتد لتشمل قطاعات أمنية متعددة تعمل في إطار تكامل مؤسسي يعكس قوة الدولة وتنظيمها. فوزارة الداخلية، بأجهزتها المختلفة، تمثل ركيزة أساسية في حفظ الأمن الداخلي، وتضطلع بدور كبير في حماية المجتمع والتصدي لكل ما يهدد استقراره. كما أن قوات حرس الحدود تقوم بدور حيوي في حماية حدود المملكة البرية والبحرية، في حين تسهم قوات الدفاع الجوي والقوات الجوية بدور محوري في حماية أجواء الوطن ورصد أي تهديدات قد تستهدفها.

وتقف هذه القطاعات جميعها في منظومة متكاملة، يعمل أفرادها بروح وطنية عالية، مدركين أنهم يحملون أمانة حماية وطنٍ له مكانته العظيمة في العالمين العربي والإسلامي. ولعل ما يميز هذه المنظومة الأمنية هو ذلك الإيمان العميق بأن الأمن مسؤولية مشتركة، وأن المواطن الواعي يمثل شريكًا أساسيًا في تحقيقه.

إن يقظة المجتمع ليست مجرد متابعة للأحداث أو تداول للأخبار، بل هي موقف ومسؤولية. فكل مواطنٍ يرى في وطنه قضيةً شخصية، وكل عينٍ تراقب بوعي، وكل بلاغٍ صادقٍ يُقدَّم للجهات المختصة، هو إسهام مباشر في حماية الأمن الوطني وتعزيز الاستقرار. وهذه الثقافة الوطنية هي ما يجعل المجتمع متماسكًا وقادرًا على مواجهة التحديات بثقة وثبات.

لقد رسخت قيادتنا، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، مفهوم الشراكة الوطنية بين الدولة والمجتمع، حيث يقف الجميع في صفٍ واحد للدفاع عن الوطن وصون مكتسباته. وفي ظل هذه الرؤية، أصبحت المشاركة المجتمعية في حماية الأمن جزءًا من الثقافة الوطنية التي تعكس عمق الانتماء وصدق الولاء.

إن الرسالة التي حملها سمو وزير الدفاع ليست مجرد دعوة للإبلاغ عن خطر محتمل، بل هي تأكيد على حقيقة راسخة مفادها أن قوة الوطن لا تُقاس بعدد الأسلحة فقط، بل بوعي شعبه وتماسك مجتمعه مع قيادته. وحين يجتمع وعي المواطن مع قوة الدولة، تتشكل منظومة وطنية متكاملة تجعل الوطن أكثر أمنًا ومنعةً وقدرةً على مواجهة التحديات.

وهكذا تبقى المملكة العربية السعودية نموذجًا لوطنٍ تتكامل فيه القيادة الحكيمة مع الشعب الواعي، وتعمل فيه مؤسسات الدولة بكل كفاءة لحماية الأرض والسماء، في مشهدٍ يجسد معنى الوطن الذي يحميه أبناؤه وتظلله حكمة قيادته.

وفي ظل هذا التلاحم الوطني الذي نحمد الله عليه، تظل المملكة العربية السعودية – بإذن الله – وطنًا شامخًا آمنًا، يقف أبناؤه صفًا واحدًا خلف قيادتهم في حماية أرضه وسمائه وصون مكتسباته. وهنا تتجلى الحقيقة التي تؤكدها التجارب والتاريخ: أن قوة الأوطان لا تبدأ من قوة السلاح فحسب، بل من وعي شعوبها، ومن تماسك المجتمع مع قيادته، ومن يقظة العيون التي ترى في أمن الوطن مسؤوليةً لا تقل قداسة عن حمايته.