النهار

١٥ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ مارس-٢٠٢٦       8745

بقلم الكاتب- عبدالمحسن محمد الحارثي

في أزمنة التوتر الكبرى ؛ ترتفع أصواتٌ تحاول توسيع رقعة النار، وكأن إشعال المنطقة بطولة سياسية. 

واليوم ؛ تتكرر هذه المحاولة مع المملكة العربية  السعودية  ، حيث تظهر أصوات نشاز تدعوها إلى الانخراط في الحرب الدائرة مع إيران، بل ويذهب بعضها إلى لغة التأليب والضغط، وكأن التحالفات تُدار بالعاطفة لا بالمصالح، أو كأن الدول الكبرى تُدفع إلى الحروب بارتفاع الأصوات لا بميزان الحكمة.

غير أن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أساسية:  السعودية  ليست دولة تُستدرج إلى الحروب. 
فمنذ عقود طويلة بُني القرار في الرياض على مدرسة سياسية ترى أن القوة الحقيقية لا تكمن في سرعة الدخول إلى المعارك، بل في القدرة على اختيار التوقيت والظروف.

وكما قال القائد العسكري الصيني سون تزو: «القائد الحكيم لا يخوض معركة لا ضرورة لها».

إن تصوير الموقف السعودي وكأنه تردد أو حياد سلبي ليس سوى قراءة سطحية للمشهد. 
فالدول الكبيرة لا تتحرك تحت ضغط الخطاب الإعلامي أو ضجيج المنصات، بل وفق حسابات استراتيجية دقيقة. 
وقد لخّص المنظّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز هذه القاعدة بقوله: «أعظم أخطاء الحرب ؛ أن تقاتل في الزمان والمكان اللذين يختارهما خصمك». 
وهذا ما تدركه الرياض جيداً؛ فالدخول في حربٍ وفق إيقاع الآخرين ليس سياسة، بل مغامرة.

الحرب الراهنة في المنطقة ؛ لم تكن  السعودية  طرفاً في إشعالها. 
فقد بدأت شرارتها بين الولايات المتحدة و**إسرائيل** من جهة، وإيران من جهة أخرى. 

وهي معادلة معقدة ؛ تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع التوازنات الدولية. 
ولذلك ؛ فإن محاولة جرّ أطراف أخرى إلى قلب هذه المواجهة ؛ ليست سوى محاولة لتوسيع دائرة الصراع.

وقد علّمنا التاريخ ؛ أن الحروب التي تتسع دون حساب غالباً ما تتحول إلى نزاعات طويلة تستنزف الجميع. 
ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي التمييز بين المعركة التي تفرضها الضرورة، والمعركة التي يسعى البعض إلى جرّ الآخرين إليها.

وقد عبّر الدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنجر عن هذه الفكرة بقوله: «السياسة الخارجية ليست فنّ إطلاق القوة، بل فنّ ضبطها».

إن  السعودية  ليست غائبة عن معادلات المنطقة، ولا بعيدة عن مسؤولياتها الإقليمية..فهي ركيزة أساسية في استقرار الطاقة والاقتصاد العالمي، وشريك رئيسي في حفظ التوازنات الدولية. 
لكن مشاركتها في أي مواجهة واسعة لا يمكن أن تكون استجابة لضغوط أو حملات تأليب، بل ضمن إطار دولي واضح تتفق عليه القوى الكبرى.

وبعبارة أخرى: إذا تحوّل الصراع إلى موقف دولي جامع تجاه النظام في إيران، فإن المملكة ستكون – كما يقول المثل العربي – «عوداً من عرض حزمة»؛ أي جزءاً من موقف جماعي واسع. 
أما الانجرار إلى حربٍ عائمة بلا أفق سياسي واضح ؛ فذلك ليس من تقاليد السياسة السعودية.

لقد بُني القرار في الرياض على قناعة راسخة بأن الصبر ليس ضعفاً، بل أحد أشكال القوة. وكما يقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي: «الأمم القوية لا تسقط بسبب أعدائها، بل بسبب أخطاء تقديرها». 

ولهذا فإن القيادة  السعودية  ؛ تدرك أن الدخول في الحروب يجب أن يكون قراراً محسوباً يوازن بين المصالح والمخاطر.

وفي النهاية ؛ تبقى القاعدة التي تحكم السياسة  السعودية  واضحة:
الحروب لا تُخاض بدافع الانفعال، ولا تحت ضغط التحريض، ولا على قاعدة «عليّ وعلى أعدائي».
بل بعد زمنٍ من الصبر، وبطريقة تحفظ الاستقرار والهيبة معاً.

ولهذا ؛ فإن  السعودية  لن تكون جسراً تعبر عليه حروب الآخرين، لكنها – إذا فرضت الضرورة – تعرف متى تقف، وكيف تتحرك، وبأي ميزانٍ من الحكمة والقوة.