النهار
بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي
لم تعد الحروب تبدأ بإعلانٍ واضح، ولا تنتهي باعترافٍ صريح؛ فقد تسقط الصواريخ وتدوي الانفجارات، بينما تتوارى الأيادي التي أطلقتها خلف ستارٍ كثيف من الإنكار.
إنها حروب تقع في العلن، لكن أصحابها يفضّلون أن يبقوا في الظل، تاركين خصومهم حائرين بين الرد والتريث.
هذا النمط من الصراع يعكس تحولًا عميقًا في فلسفة الحرب. فالعدوان المباشر ؛ لم يعد الخيار الأمثل للقوى المتنافسة، إذ قد يكلفها باهظًا على مستوى السياسة والدبلوماسية وحتى الرأي العام.
لذلك نشأت الحروب الرمادية، حيث تُدار المواجهة عبر وكلاء، وتتحرك الخلايا النائمة في اللحظة المناسبة، وتُنفذ ضربات محدودة لكنها عالية التأثير، مع إنكار الفاعل الحقيقي.
وقد خلّص المنظّر العسكري البروسي Carl von Clausewitz هذه العلاقة بين الحرب والسياسة بقوله: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى».
وفي عصرنا ؛ السياسة لم تعد تعتمد على الجيوش النظامية وحدها، بل على طبقات متعددة من الفعل غير المباشر: ميليشيات محلية، أدوات إعلامية، هجمات سيبرانية، وطائرات مسيّرة منخفضة الكلفة لكنها عالية التأثير.
قبل قرون ؛ وضع الاستراتيجي الصيني Sun Tzu قاعدة ما تزال صالحة لكل العصور: «كل الحرب خدعة».
لكن الخدعة اليوم ؛ تجاوزت الميدان إلى هوية الفاعل نفسه ، فالضربة تقع، بينما يختبئ صاحبها خلف شبكة معقدة من الوكلاء، تاركًا خصمه في حيرة بين الردّ والتريث.
إن الإنكار الاستراتيجي ؛ يمنح المعتدي ميزة مزدوجة: القدرة على الإيذاء دون تحمّل المسؤولية الكاملة، وإرباك خصمه في تحديد طبيعة الرد.
فالرد على جهة غير معلنة قد يفتح باب التصعيد ؛ بينما تجاهل الضربة يخلق سابقة خطيرة، ويمنح المعتدي جرأة أكبر في المستقبل.
وقد عبّر المؤرخ البريطاني Edward Gibbon عن طبيعة الانهيارات البطيئة: «الإمبراطوريات لا تسقط بضربة واحدة، بل بسلسلة من التآكلات الصغيرة».
والحروب الرمادية اليوم تتبع نفس المنطق؛ ضربات صغيرة، متراكمة، تختبر الحدود وتعيد تشكيل موازين القوى تدريجيًا.
ومن هنا ؛ تنشأ أخطر نتائج هذا الأسلوب: صناعة الجرأة..فالضربة التي تمر بلا رد واضح تتحول إلى تجربة ناجحة في ذهن المعتدي، ورسالة ضمنية تقول: المجال ما يزال مفتوحًا.
وقد رأى الفيلسوف السياسي Thomas Hobbes أن غياب الردع الواضح ؛ يقود تدريجيًا إلى حالة حرب كامنة، حيث يعيش الجميع في ظل صراع مستمر، بلا إعلان رسمي.
أما رئيس الوزراء البريطاني Winston Churchill ؛ فقد لخّص خطورة التساهل بعبارته الشهيرة: «الاسترضاء هو أن تطعم التمساح على أمل أن يكون آخر من يأكلك».
فالخصوم الذين يختبرون حدود الردع ؛ لا يتوقفون عادة عند الضربة الأولى، بل يستمرون ما دام الطريق مفتوحًا.
وفي المقابل ؛ يشير المؤرخ العسكري Basil Liddell Hart إلى أن أعظم النجاحات الاستراتيجية تتحقق عبر ما سماه «الاقتراب غير المباشر».
وهذا المفهوم ؛ يفسر كثيرًا من سلوكيات الصراع المعاصر؛ يتحرك الخصم عبر طرق ملتوية، يضغط دون أن يمنح هدفًا واضحًا يمكن الرد عليه مباشرة.
إن العالم يعيش اليوم مرحلة الحرب المتخفية؛ حرب لا تختفي فيها الأسلحة، بل تختفي فيها المسؤولية.
صواريخ تُطلق، ومسيّرات تحلق، وخلايا تتحرك، بينما يظل الفاعل الحقيقي خلف ستار من الغموض السياسي والاستراتيجي.
لكن التاريخ يعلّم حقيقة ثابتة: الحروب التي تبدأ في الظل قد تنتهي في العلن.
الضربات الصغيرة
المتراكمة،والاعتداءات المنكرة، والحروب بالوكالة ؛ تشبه الشرر المتناثر في أرض جافة؛ قد يخبو بعضها سريعًا، لكن شرارة واحدة قد تكفي لإشعال حريق واسع.
ولهذا ؛ الحكمة الاستراتيجية لا تقوم على التسرع في الحرب، كما لا تقوم على التساهل مع الاعتداء المقنّع ، بل على وضوح المعادلة: أن الضرب عبر الوكلاء لا يلغي المسؤولية، وأن الإنكار لا يمحو الحقيقة، وأن الردع الحقيقي يبدأ حين يدرك المعتدي أن الغموض الذي يحتمي به ؛ لن يحميه طويلًا.
فالحروب- مهما تنكرت- لا تستطيع أن تخفي حقيقتها إلى الأبد؛ فالنار -كما يقول الحكماء- تعرف اليد التي أشعلتها، ولو حاول صاحبها أن يخفيها خلف ألف ستار.