النهار
بقلم -عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست الأمم بما تملكه من سلاح، بل بما تحسن صيانة معناه.
فكم من دولة أتقنت صناعة الصواريخ البالستية، وأحكمت تطوير الطائرات المسيّرة، ووسّعت ترسانتها الهجومية، حتى صارت أرقامها العسكرية حديث التقارير، غير أن السؤال الأعمق ظل معلقًا: لمن تُدار هذه القوة؟ ولأي غاية تُستثمر؟ حينها يتراجع الإنسان إلى الهامش، ويتقدّم المشروع، أيًّا كان اسمه أو شعاره.
إن الخلل لا يبدأ عند امتلاك أدوات الردع ؛ وإنما حين تنفصل القوة عن وظيفتها الأخلاقية.
فالقوة، إذا لم تكن لحماية الداخل وصون الاستقرار ؛ تتحول من درعٍ إلى عبء، ومن ضمانة إلى قلق دائم.
وقد وعى العرب هذه الحقيقة منذ القدم، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما عُمِرَتِ البلدانُ بمثل العدل»، فالعدل ليس قيمة مثالية فحسب، بل شرط بقاء وعمود عمران.
ويمضي ابن خلدون في تشخيصه حين يجعل الظلم نذير الخراب، لا حادثة عابرة، فيقرر أن «الظلم مؤذن بخراب العمران».
والتاريخ، في دوراته المتعاقبة، يقدّم الشواهد ذاتها: قوى عظيمة سادت حين قدّمت البناء، ثم أفلتت حين أغرتها آلة التدمير، فاستنزفت الداخل قبل أن تُخضع الخارج.
وعلى الضفة الأخرى ؛ تتشكل صورة مختلفة لدولٍ أدركت أن البناء هو أعلى درجات القوة، وأن الأمن الحقيقي يُصنع في التعليم والاقتصاد والمؤسسات، قبل أن يُختبر في ساحات النزاع.
دول وازنت بين التعمير والدفاع ؛ فجاء سلاحها امتدادًا لعقل الدولة لا نقيضًا له، وحمايةً لمجتمعها لا مغامرة باسمه.
ويصدق هنا المثل العربي: «الدار العامرة تحمي أهلها»، فالاستقرار المتين يغني عن صخب الاستعراض.
أما حين تُقدَّم آلة التدمير بوصفها الحلّ الأسرع، واللغة الوحيدة ؛ فإنها لا تكتفي بإخافة الخصوم، بل تُربك الداخل، وتستنزف الحاضر، وتُقايض المستقبل بأوهام التفوق.
وقد قال الحكماء: «من سلّ سيف الظلم قُتل به» ؛ لأن القوة إذا انفلتت من ميزان الحكمة، لا تعود تعرف وجهتها، ولا تُحسن التمييز بين خصم وحليف.
وهنا يتجلّى الفارق الجوهري بين من يرى في السلاح أداةً لحماية الحياة، ومن يجعله غاية تُدار من أجلها الدولة.
فـ«الشيطان الأكبر» ليس اسمًا ولا جغرافيا، بل عقل يرى في الهدم رسالة، وفي الخراب نفوذًا، ويخاصم التعمير وكأنه ترف..عقل يراكم أدوات الفناء، ويُهمل أسباب البقاء.
إنها، في جوهرها، معركة وعي طويلة النفس؛ معركة بين من يبني ليحمي، ومن يدمّر ليحكم.
فإما أن تنتصر آلة التعمير، ويُعاد الاعتبار للإنسان بوصفه الغاية، أو تتغلب آلة التدمير، وحينها لا يبقى من القوة إلا صداها، ولا من المشروع إلا أنقاضه تُروى بوصفها عِبرة لمن بعدهم.