النهار

٠٣ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ فبراير-٢٠٢٦       2255

بقلم - عبدالناصر بن علي الكرت

لم تعد إنجازات المملكة العربية السعودية أخباراً عابرة في نشرات الاقتصاد أو الإعلام، بل تحولت إلى مؤشرات ثابتة تؤكد أن الوطن يسير وفق مسار واضح ويحقق قفزات نوعية تضعه في مصاف الدول المتقدمة، لا على مستوى الطموح فحسب، بل في واقع الأداء والنتائج. فمنذ انطلاق رؤية المملكة 2030 التي يقودها سمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان، تشكّل وعي جديد للتنمية، قوامه الاستثمار في الإنسان وبناء المؤسسات وتسريع التحول نحو اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار.

وفي مشهد متكامل للتنمية الشاملة.. تتداخل فيه السياسة مع الاقتصاد والمعرفة مع التقنية والإنسان مع المكان، برزت تجربة سعودية حديثة باتت محل متابعة واهتمام دوليين، لما أظهرته من قدرة على الجمع بين وضوح الرؤية وسرعة التنفيذ وبين الاستقرار المؤسسي والطموح المستقبلي.

ولم يكن هذا التقدم وليد الصدفة أو نتاج قرارات ظرفية، بل ثمرة استثمار واعٍ في التحول المؤسسي وفي بناء الكفاءات الوطنية قبل الاتكاء على الموارد. ويبرز التحوّل الرّقمي بوصفه أحد الشواهد الدالة على هذا النهج، حيث حققت المملكة المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية 2025 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي يرصد اقتصادات 164 دولة لقياس التطور الرقمي وتقدم الدول في خدمات الاتصالات والتقنية من خلال عدد من المؤشرات الفرعية. كما حصلت على المركز الثاني عالميًا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية لعام 2025 ضمن تقييم شمل 197 دولة، في إنجاز يعكس تطوّر بنية الخدمات الحكومية وتكاملها وسهولة الوصول إليها وارتفاع كفاءة الأداء، بما يجعل التقنية أداة تمكين فعالة في خدمة المجتمع والاقتصاد.

وفي عالم تتسارع فيه المخاطر الرقمية، عزّزت المملكة حضورها في ميدان الأمن السيبراني محافظة على تصدرها المرتبة الأولى عالمياً، في دلالة على نجاح المنظومة التشريعية والتقنية، وقدرتها على حماية الفضاء الرقمي الوطني وصون البيانات وتعزيز الثقة في البنية التحتية التقنية، وهو عنصر حاسم لأي اقتصاد حديث أو مجتمع معرفي مستدام.

أما في الجانب الاقتصادي فإن المملكة تبرز كنموذج متقدم في إعادة صياغة الاقتصاد الوطني عبر تقليص الاعتماد الأحادي وتوسيع قاعدة الإنتاج وتعزيز الاستثمار ورفع كفاءة الإنفاق. وتشير التوقعات الدولية إلى أن الاقتصاد السعودي سيواصل تسجيل معدلات نمو مرتفعة مقارنة بالاقتصادات الكبرى، مدفوعاً بإصلاحات هيكلية وسياسات مالية متوازنة وبيئة استثمارية أكثر جاذبية ومرونة في مواجهة المتغيرات العالمية.

إذ لا تكتمل صورة التحوّل دون التوقف عند الحضور العلمي والمعرفي المتنامي للمملكة، حيث يشهد قطاع البحث والابتكار توسعاً ملحوظاً، وتزايداً في إسهام العلماء السعوديين في مجالات الطاقة المتقدمة والمواد الذكية والاستدامة، ولعل حصول العالم السعودي البروفيسور عمر ياغي على جائزة نوبل في الكيمياء عن أعماله الرائدة، يعكس نضج البيئة البحثية ويؤكد أن الاستثمار في المعرفة لم يعد خيارًا تكميليًا؟ بل ركيزة استراتيجية في مسار التنمية.

والجميل ما يحققه الطلاب والطالبات السعوديون من حضور مشرّف في المحافل العلمية الدولية، وحصولهم على مراكز متقدمة في مجالات الرياضيات والفيزياء والابتكار والذكاء الاصطناعي… في صورة تعكس تحسّن مخرجات التعليم وفاعلية برامج اكتشاف ورعاية الموهوبين، والإيمان بقدرات الشباب بوصفهم ركيزة المستقبل.

كما تمتد مظاهر التميز إلى مجالات جودة الحياة، من تطوير القطاع الصحي إلى تنشيط المشهد الثقافي والرياضي واستضافة الفعاليات العالمية، بما يعكس توجهاً خلاقاً لبناء مجتمع حيوي ومتوازن قادر على التفاعل مع العالم، دون التفريط في هويته وقيمه.

والواقع أن ما تحققه المملكة اليوم لا يمكن قراءته بوصفه تراكماً كمّياً لإنجازات متفرقة، بل هو مسار متكامل يعكس رؤية واضحة وقيادة حكيمة وحوكمة فاعلة، وشعباً يؤمن بقدرته على صناعة المستقبل. وهي رسالة مفادها أن الطموح حين يُدار بعقل ويُسند بعمل ويُغذّى بالعلم والمعرفة، يتحول إلى واقع مدهش، وأن المملكة العربية السعودية تمضي بثبات لتكون في الصفوف الأولى عالمياً، لا بالمكانة وحدها بل بالأثر والإنجاز والاستدامة.

‏alnasser1956@hotmail.com