النهار

٠٣ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ فبراير-٢٠٢٦       1925

بقلم - حذامي محجوب 

لم يكن خطاب وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري ، في افتتاح النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام 2026 ، مجرد كلمة بروتوكولية ، بل إعلانا عن تحوّل في فهم وظيفة الإعلام في عالم يموج بالاضطرابات . 
 فشعار المنتدى  " الإعلام في عالم يتشكّل "  لم يكن مجرد إطار نظري ، بل عنوانا لرؤية تُعيد ترتيب الأولويات ، وتضع القيم في صدارة السياسات الإعلامية ، لا في هامشها الأخلاقي .

تميُّز هذا الخطاب يتجلى في تحرير القيم من دورها التقليدي بوصفها زينة لغوية أو إضافة تجميلية .

حين يؤكد الوزير أن القيم ليست دعاية ، ولا ملحقا أخلاقيا للإعلام ، بل بنية تحكم القرار وتصنع توجهاته ، فإنه يرسم ملامح رؤية سعودية جديدة ترى في الإعلام مسؤولية مجتمعية قبل أن يكون صناعة تنافسية . 

 إعلام يُقاس أثره بما يغرسه من وعي ومعنى ، لا بما يحققه من ضجيج وانتشار لحظي.

يقدّم الخطاب قراءة نقدية لواقع الإعلام العالمي ، حيث يتصدر اقتصاد الانتباه المشهد ، وتتحول الخوارزميات إلى حَكَم يقرّر ما يستحق الظهور وما يُهمّش . يرفض الدوسري هذا الاختزال ، مشدّدا على أن أزمة المعنى ليست نتيجة تطوّر تقني حتمي ، بل انعكاس لخيارات يمكن مساءلتها وإعادة توجيهها .
   إنها دعوة صريحة لإعادة بناء البوصلة الأخلاقية للإعلام ، وفصل القيمة عن الإثارة ، والمعرفة عن الاستهلاك السريع .  ويبرز البعد الإنساني في الخطاب بشكل أعمق عند حديثه عن النشء . فرفضه لمنطق المنع والعزل لصالح بناء بيئات إعلامية واعية يكشف إدراكا متقدما لطبيعة العصر الرقمي. 

حماية الأجيال ، وفق هذه المقاربة ، لا تُصنع عبر الحجب أو الحجر، بل من خلال ترسيخ منظومة قيم تمنح الشباب القدرة على التفاعل مع العالم بثقة ، دون التفريط في الهوية أو الاتزان النفسي . 

 هنا يصبح الإعلام فضاء  للتنشئة وصناعة الإدراك ، لا مجرد محتوى للاستهلاك العابر .

    لا يتوقف الخطاب عند المستوى النظرية، بل يتعزز بخطوات عملية . فالإعلان عن مبادرات في الابتكار الإعلامي ، ودعم ريادة الأعمال ، وإطلاق وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام بالشراكة مع  " سدايا " ، يعكس توجها سعوديا حاسما نحو تأطير التحول الرقمي أخلاقيًا . 
  فالتقنية، كما يطرحها الخطاب ، ليست غاية ، بل وسيلة يجب أن تُدار بوعي ومسؤولية ، وتُسخّر لصالح الإنسان والمعرفة.

يأتي المنتدى السعودي للإعلام ، بحجمه الدولي ونقاشاته متعددة الاختصاصات ، ليجسّد هذه الرؤية عمليا. فهو لا يقدّم المملكة كفاعل تقني فحسب ، بل كقوة ناعمة صاحبة رؤية فكرية تسعى إلى بناء الثقة وصياغة معنى ، وترسيخ حضور إعلامي يستمد شرعيته من وضوح منظومته القيمية .

ختاما، يعكس خطاب وزير الإعلام تحولا  نوعيا. : لم تعد القيم خطابًا موازيا للعمل الإعلامي ، بل أصبحت سياسة إعلامية بحد ذاتها. 
 إنها مقاربة سعودية تستجيب لعالم يتشكل بوتيرة سريعة ، وتعيد للإعلام دوره الأعمق : حماية الوعي، وصناعة الإنسان ، وبناء معنى يستحق البقاء .