النهار
بقلم - حذامي محجوب
لم يكن خطاب وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري ، في افتتاح النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام 2026 ، مجرد كلمة بروتوكولية ، بل إعلانا عن تحوّل في فهم وظيفة الإعلام في عالم يموج بالاضطرابات .
فشعار المنتدى " الإعلام في عالم يتشكّل " لم يكن مجرد إطار نظري ، بل عنوانا لرؤية تُعيد ترتيب الأولويات ، وتضع القيم في صدارة السياسات الإعلامية ، لا في هامشها الأخلاقي .
تميُّز هذا الخطاب يتجلى في تحرير القيم من دورها التقليدي بوصفها زينة لغوية أو إضافة تجميلية .
حين يؤكد الوزير أن القيم ليست دعاية ، ولا ملحقا أخلاقيا للإعلام ، بل بنية تحكم القرار وتصنع توجهاته ، فإنه يرسم ملامح رؤية سعودية جديدة ترى في الإعلام مسؤولية مجتمعية قبل أن يكون صناعة تنافسية .
إعلام يُقاس أثره بما يغرسه من وعي ومعنى ، لا بما يحققه من ضجيج وانتشار لحظي.
يقدّم الخطاب قراءة نقدية لواقع الإعلام العالمي ، حيث يتصدر اقتصاد الانتباه المشهد ، وتتحول الخوارزميات إلى حَكَم يقرّر ما يستحق الظهور وما يُهمّش . يرفض الدوسري هذا الاختزال ، مشدّدا على أن أزمة المعنى ليست نتيجة تطوّر تقني حتمي ، بل انعكاس لخيارات يمكن مساءلتها وإعادة توجيهها .
إنها دعوة صريحة لإعادة بناء البوصلة الأخلاقية للإعلام ، وفصل القيمة عن الإثارة ، والمعرفة عن الاستهلاك السريع . ويبرز البعد الإنساني في الخطاب بشكل أعمق عند حديثه عن النشء . فرفضه لمنطق المنع والعزل لصالح بناء بيئات إعلامية واعية يكشف إدراكا متقدما لطبيعة العصر الرقمي.
حماية الأجيال ، وفق هذه المقاربة ، لا تُصنع عبر الحجب أو الحجر، بل من خلال ترسيخ منظومة قيم تمنح الشباب القدرة على التفاعل مع العالم بثقة ، دون التفريط في الهوية أو الاتزان النفسي .
هنا يصبح الإعلام فضاء للتنشئة وصناعة الإدراك ، لا مجرد محتوى للاستهلاك العابر .
لا يتوقف الخطاب عند المستوى النظرية، بل يتعزز بخطوات عملية . فالإعلان عن مبادرات في الابتكار الإعلامي ، ودعم ريادة الأعمال ، وإطلاق وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام بالشراكة مع " سدايا " ، يعكس توجها سعوديا حاسما نحو تأطير التحول الرقمي أخلاقيًا .
فالتقنية، كما يطرحها الخطاب ، ليست غاية ، بل وسيلة يجب أن تُدار بوعي ومسؤولية ، وتُسخّر لصالح الإنسان والمعرفة.
يأتي المنتدى السعودي للإعلام ، بحجمه الدولي ونقاشاته متعددة الاختصاصات ، ليجسّد هذه الرؤية عمليا. فهو لا يقدّم المملكة كفاعل تقني فحسب ، بل كقوة ناعمة صاحبة رؤية فكرية تسعى إلى بناء الثقة وصياغة معنى ، وترسيخ حضور إعلامي يستمد شرعيته من وضوح منظومته القيمية .
ختاما، يعكس خطاب وزير الإعلام تحولا نوعيا. : لم تعد القيم خطابًا موازيا للعمل الإعلامي ، بل أصبحت سياسة إعلامية بحد ذاتها.
إنها مقاربة سعودية تستجيب لعالم يتشكل بوتيرة سريعة ، وتعيد للإعلام دوره الأعمق : حماية الوعي، وصناعة الإنسان ، وبناء معنى يستحق البقاء .