النهار

٠٢ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ فبراير-٢٠٢٦       1760

بقلم - طارق محمود نواب
الإنسان المُحترم ليس نتاج تربية لحظية ولا نتيجة ظرفٍ عابر، بل خلاصة وعيٍ طويل، وتجربةٍ ناضجة، وفهمٍ عميق لمعنى الإنسان قبل أي مسمّى آخر.

فهو ذلك الذي لا يحتاج إلى رفع صوته ليُسمَع، ولا إلى تقليل غيره ليظهر، ولا إلى افتعال الهيبة ليُهاب، لأن احترامه يسبقه أينما حضر، ويصل قبل كلماته، ويُحسّ قبل أن يُشرح. فالاحترام عنده ليس تصرّفًا انتقائيًا ولا التزامًا مؤقتًا، بل طبيعة ثابتة تنعكس في اللغة، وفي الموقف، وفي طريقة الاختلاف، وفي أدق تفاصيل التعامل.

فيعرف حدوده جيدًا فيقف عندها بثقة، ويعرف حدود الآخرين فيصونها دون تنبيه، فلا يقتحم المساحات الخاصة، ولا يتذرع بالعفوية ليبرر التجاوز، ولا يخلط القرب بالاستباحة.

فهو إنسان يختلف دون إساءة، ويعارض دون تجريح، وينتقد دون سخرية، مدركًا أن قوة الرأي لا تُقاس بحدّته، بل برصانته، وأن الكلمة حين تفقد أخلاقها تفقد قيمتها مهما بدت ذكية أو لامعة.

فلا يستمد احترامه من منصب، ولا من شهرة، ولا من تصفيق، فقد يكون بسيط المظهر، عادي الحضور، لكنه عميق الأثر، تألفه القلوب قبل العيون، وتشعر بالطمأنينة في جواره دون تفسير، لأن اتزانه ينعكس راحةً على من حوله.

فهو صادق بلا قسوة، واضح بلا فظاظة، صريح بلا استعلاء، لا يتلوّن مع المصالح، ولا يبدّل مواقفه تبعًا للريح، ويؤمن أن الكرامة لا تحتاج ضجيجًا، وأن الأخلاق لا تحتاج إعلانًا، وأن الاحترام الحقيقي يُمارس ولا يُستعرض.

فيُحسن الاستماع كما يُحسن الكلام، ولا يقاطع ليُثبت حضوره، ولا يستخف بتجربة غيره ليُعلي من شأنه، حيث يعلم أن الإصغاء احترام، وأن التجاهل إهانة صامتة.

وفي الخلاف يكون عادلًا، لا يجمع الزلات ليصنع انتصارًا، ولا ينبش الماضي ليكسب لحظة تفوق، فينشغل بالفكرة لا بالشخص، وبالحل لا بالتصعيد، مدركًا أن الخصومة اختبار أخلاقي قبل أن تكون مواجهة رأي.

فلا يستعرض طيبته، ولا يمنّ بإحسانه، ولا يتباهى بأخلاقه، يفعل الخير كأنه واجب، ويتجاوز كأنه معتاد السمو، ويسامح لا ضعفًا بل وعيًا ويعلم بأن الاحترام رسوخ أخلاقي ينبع من الوعي لا من المجاملة..

وحين يغيب، يُفتقد، لا لأن حضوره كان صاخبًا، بل لأن وجوده كان مريحًا، يترك أثرًا نظيفًا، وذكرى خفيفة، واسمًا لا يُستعاد بسوء.

وفي زمنٍ ازدحمت فيه الأصوات وقلّت القيم، يظل  الإنسان المُحترم  قيمة نادرة، لا تلمع كثيرًا لكنها لا تصدأ أبدًا، لأنه ببساطة… يعرف كيف يكون إنسانًا.