النهار
بقلم - عبدالله الكناني
نعيش أزمنة مكشوفة؛ لم يعد الخداع فيها مهارة، بل عبئًا على صاحبه،فالمشهد اليوم بلا ستائر، والوقائع تُرى من زوايا متعددة، ومن يراهن على الغفلة كمن يبني سياسته على ظلٍّ متحرّك.
لم يعد الصمت علامة رضا، كما أن غضّ الطرف لا يعني القبول، بل قد يكون رسالة اختبار تسبق كسر الصبر.
ثمّة فرق دقيق بين الطموح والمغامرة، وبين الحلم والمقامرة، فالطموح مشروع حين يسنده وعي، وتُقوّمه أخلاق، وتُمسكه ذاكرة المكان، أمّا حين يتحوّل إلى قفزٍ متعجّل، بلا حساب للسقف أو للأرض، فإنه لا يقود إلى الارتفاع، بل إلى سقوطٍ مهين في المساحات المنسيّة من المشهد.
في كلا المجالين، السياسة والاجتماع، لا تُقاس الشرعية بما يُقال، بل بما يُفعل، فالكلمات وحدها لا تبني ثقة، ولا تُقنع جارًا يراقب من شرفته، ولا أخًا قريبًا أو بعيدًا يعرف تفاصيل البيت،البيوت تُعرف من الداخل، والجوار يقرأ الإشارات قبل التصريحات، والتاريخ لا يُخدع بالكلمات المنمّقة ولا بالتخريجات البليدة.
نعلم يقينًا أن الجار قبل الدار أمانًا وارتياحًا، ويا للعار حين تُمنح الثقة لمن لا عهد له ولا أهلية، وحين تتكرّر الزلات، يصبح الاعتذار شجاعة إذا صاحبه اعتراف وندم، الرجوع إلى العقلاء، وإعادة الاعتبار للأعراف، واحترام الأخوّة والجوار، ليست خطوات إلى الخلف، بل إعادة تموضع قبل فوات الأوان،فالكرامة لا تُصان بالعناد، بل بالقدرة على التوقّف في اللحظة المناسبة.
أما أخطر الأوهام، فهو الاعتقاد بأن الأمن يُستورد، أو أن الاستقرار يُصنع بالتحالف مع من يختبئ خلف الابتسامة ويُخفي الخنجر. فالأمن العميق لا يقوم على توازنات مؤقتة، بل على وضوح الموقف، وحسن الجوار، وفهم أن من يكنّ للأمة العداء اليوم، لن يحميك غدًا.
الطريق في نهايته ليس سهلًا كما تُصوّره الأحلام السريعة،فهناك جبال راسيات لا تُختصر، ولا تُجتاز بالقفز، بل تُواجه بالصدق وحسن التقدير، ومن لم يتعلّم المشي بثبات، لن ينقذه القفز بالمنشّطات مهما بدا عاليًا.
*هذه ليست رواية، ولا قراءة، بل نصيحة تُقال بلغة الفهم لمن وعى:انتبه لسقف دارك قبل أن تقفز،وانظر إلى الأرض قبل أن تحلم،فليس كل صعود من غير الطريق السليم نصرًا،ولا كل صمتٍ من قريبٍ غفلة*.
*تلويحه:*
السقف الواطئ لا يُختبر بالقفز،
ومن لا يرى حدوده، سيتعلّمها… بالسقوط.