الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ يناير-٢٠٢٦       19470

بقلم :عبدالمجيد عرفه 

ولو بعد حين رواية أحمد عبد الكافي الحمادة الجديدة اصدار: أوغاريت للنشر والترجمة والتوزيع . الجديدة اصدار عام ٢٠٢٥م في الرياض التي اكتب عنها تعتمد ضمير المتكلم في بعض السرد وعلى لسان الراوي في أغلبها.

تبدأ الرواية من لحظة فارقة لم نتبين كنهها بدقة : حيث يحاور مسعد نفسه وهو غارق في لجّة ما، يصارع نفسه ويراجع حياته ويتساءل لماذا يعيش هو وغيره وكل من حوله خطايا وأخطاء تراكمت في حياتهم وأفسدت روحهم وجعلتهم ضحايا أعمالهم ووجدوا أنفسهم ضائعين ومخطئين ومجرمين في بعض الأحيان ؟..

ثم تنتقل الرواية حتى تتحدث عن بلدة ما، تعيش في كنف نهر كبير وتعيش على خيراته زراعة وسقاية و جني محاصيل، بلدة مسكونة بأهلها المسكونين بهاجس عن عوالم أخرى موازية من الجنّ تطال هذا الإنسان او تلك الشجرة على ضفة النهر.

على ضفة النهر يستيقظ أهل البلدة على وجود جثة طافية تعلقت بالنباتات جواره ويتحرك أهل البلدة جميعا ليستخرجوا تلك الجثة ليعرفوا من هو صاحبها. لقد عودهم النهر على مثل هذا الظهور لجثث قد تكون من أهل البلدة أو تكون قادمة من بلدات اخرى عبر سفر النهر المستمر منذ القدم.

نتعرف على اهل البلدة تباعا. طاهر الذي يحاول سرقة قصر والده الذي تركه لإخوته من ام ثانية ولا ينجح. وهند المرأة التي امتهنت الدعارة والتي طلقها زوجها بعد انجابها لأولادها الأربعة، هل يسهل على امرأة ان تكون داعره وأن توصم بذلك؟ كم يتحمل أهلها وزوجها ومن حولها مسؤولية ذلك؟ . المهم هي تعتاش على الدعارة ولها اكثر من عشيق لتؤمّن لقمة عيشها مع أطفالها وامها المعمّرة الضريرة. وهناك أمام المسجد والمختار …

حاول أهل البلدة أن يصلوا الى الجثة ووصل لها أحد شباب البلدة بمهارة، واكتشفوا ان الجثة تعود الى شاهر حارس البلدة. والكل يفكر من قد يكون قتله وألقاه في النهر ؟. ام يكون قد غرق وحده ؟. فالمعروف عنه أنه حاول دوما تعلم السباحة. وحتى لو كان سباحا ماهرا فإن النهر غادر أحيانا وقد يغرق. ثم من له مصلحة أن يقتل هذا الانسان المحبوب من الجميع والذي يخدم البلدة كلها لكي يقتله؟.

 نعم هناك احتمال في ذلك هذا ما فكر فيه الشرطة والمحقق الذين حضروا لمعاينة الحدث. نعم لقد ضبط شاهر هند العاهرة مع اكثر من احد في حقول الذرة تزني أو تهمّ بالزنا، ويمنع ذلك على وعد من هند وعشّاقها على التوبة وعدم محاولة العودة إلى الفعل الفاحش. نعم هناك أيضا احتمال آخر أن شاهر زوج سلمى وهو غريب عن البلدة وجاءها مع زوجته هاربان من أهلها الذين توعدوا بقتلهما بسبب ذلك، فقد رفضوا تزويجه منها فهربا. وربطوا الانتقام بعودته الى البلدة، لكنه عاد ليودع امه وهي على فراش الموت. إذا قد يكون أخا زوجته قد قتله. وكلما تعمق المحقق في النبش في سيرة شاهر كلما تكشّفت حقائق أخرى. لقد تبين أن هناك علاقة بين مسعد وسلمى التي كانت تذهب بشكل يومي لتنظيف القصر الكبير وتأمين شؤونه. وأنه قد يكون هو من قتل شاهر. ولولا أن عرفت سلمى ان مسعد على علاقة اخرى مع امرأة غيرها لما ساهمت بالكشف عنه وأن مسعد من قتل زوجها وألقاه في الماء، ليخلو له الطريق إلى سلمى.

يتحرك المحقق والشرطة إلى قصر مسعد المحبوس في شرفته طاهر ليقبضوا عليه بعد اعتراف سلمى عليه بكونه عشيقها وقاتل زوجها شاهر. ويلاحقونه هاربا الى سطح القصر ليختبئ في خزانات المياه ، ويغلق على نفسه فيه خطأ وليعيش الموت غرقا تماما كما فعل مع شاهر وكما افتتحت الرواية سردها.

تطل الرواية في مسار البحث في موت شاهر على اغلب اهل البلدة وواقع حياتهم. المختار الذي حاول كثيرا ان يثبت ان موت شاهر غرقا خوفا من ان يكون ابنه من قتله لكونه كان على علاقة مع هند ولأن شاهر يعرف بالعلاقة وقد يفضحهم أو يضايقهم. في البلدة قصر الأخوين الندين المتحاربين الذين توفيا وتركا وريثين طاهر ومسعد. طاهر المطرود من القصر والذي سيعود المالك له كوريث وحيد ومسعد القاتل الغارق في خزان الماء على سطح القصر. وكذلك الشيخ العارف الذي يدعي علاقة بالجن والقادر على حل مشاكل النساء إنجاب وزواج وطلاق . وواقع الحال أنه داعر كبير يلوغ في أعراض نساء البلدة . وغير ذلك كثير.

 تنتهي الرواية بغرق مسعد.

وفي التعقيب عليها اقول:

بداية اننا امام رواية متميزة في تناولها لموضوعها. فهي بظاهر السرد تبدو وكأنها تتابع جريمة قتل في البلدة. وهي كذلك، لكن ليس فقط. هي ايضا سجل اجتماعي لأحوال البلدة واشخاصها حياتهم وسلوكياتهم على كل المستويات. هي ايضا شهادة بأن وجود الإنسان مربوط بوجود الخطيئة بكل المعاني قرينة له منذ قتل قابيل أخيه هابيل ولدي آدم لأخيه بسبب واه . طبعا لا ينجو من هذا الحكم إلا من رحم ربي.

نعم أن عنوان الرواية يعبر عن مضمونها بعمق؛ ان الخطأ والظلم والاساءة لا بد أن يرتد على صاحبه ولو بعد حين.

كما أن عدم تحديد اسم معين للبلدة وحتى النهر وزمان الحدث وتركهم لتكهنات القارئ، مهم جدا في ان هذه البلدة هي نموذج إنساني يمكن أن يصح على أي بلدة في أي زمان ومكان.

نعم يوجد مثل ذلك واكثر في الحياة لكن التعميم وكأن الكل البشر ملوثين بالخطيئة اعتقد انه حكم قاس بحق البشر الذين يحاولون جهدهم أن يكونوا نماذج خير في حياتهم وحياة المحيطين بهم في كل زمان ومكان.

كما لفتني أن السرد الروائي للكاتب ليس محايدا في تعقب سلوك وأفعال شخصيات روايته. بل نراه يدخل في عمق عقلهم و وجدانهم ودوافعهم النفسية والاجتماعية لفعل ما يفعلون. وهذا برأيي يساعد في جعلنا نتقبل الرواية وأنها ذات مصداقية في سردها الروائي وما تتابعه وما تصل إليه من أولها الى آخرها.

في الختام اقول ان اي عمل روائي يكون مهما ومفيدا وممتعا بمقدار ما يجعل القارئ قريبا من الحقيقة الوجودية للإنسان في داخل نفس وعقل ووجدان القارئ وفي محيطه وفي الحياة عموما. وفي مقدار ما تدفعه للتفكير وتعقب الواقع والبحث عن الافضل وان يعيش إنسانيته أخيرا في فضاء يحترم حريته وكرامته وحقه في العيش في مجتمع عادل مع تأمين فرص العيش الكريم والحياة الافضل.