الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ فبراير-٢٠٢٦       2090

بقلم- د. عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
قبل أن يُرى الهلال، وقبل أن تتبدّل الملامح، وقبل أن تتأهّب البيوت لاستقبال النفحات، يحدث النداء الأعظم في أعماق الأرواح:  شهر رمضان المبارك  يقترب… والقلوب على موعد مع ولادة جديدة، وتجديد صادق، وميلاد روحاني مختلف.
شهر رمضان المبارك ليس شهر الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل شهر السمو عن الغفلة، والارتقاء عن الشهوات، والتحرر من أثقال الذنوب، والتخفف من كل ما يُكدّر صفاء الروح.
هو موسم إعادة بناء الإنسان من الداخل، وترميم العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، وترسيخ معنى العبودية الصادقة، وتثبيت البوصلة نحو الطريق المستقيم.
إن أصدق الاستعداد لشهر رمضان المبارك لا يكون في مظاهره، بل في مخابره؛ في القلب قبل الجوارح، وفي النية قبل العمل، وفي الصدق قبل الاجتهاد.
فالقلب المزدحم بالضغائن، كيف يتذوق طعم المغفرة؟
والقلب المثقل بالأحقاد، كيف يأنس بلذة العفو؟
والقلب الغارق في الدنيا، كيف يهنأ بأنس القيام وتلاوة القرآن؟
قبل شهر رمضان المبارك…
نحتاج إلى تطهير القلوب أكثر من ترتيب البيوت.
نحتاج إلى إزالة الصدأ عن الأرواح قبل إزالة الغبار عن الأثاث.
نحتاج إلى توبة هادئة صادقة، ومراجعة شفافة، وعودة حقيقية إلى الله عزّ وجلّ.
شهر رمضان المبارك فرصة عظيمة لمحو الأوزار، وتجديد الصفحات، والانطلاق من نقطة نور، بلا قيود ماضية، ولا أحمال مثقلة، ولا انكسارات مؤجلة.
هو شهر تُفتح فيه أبواب السماء، وتُصفّد فيه الشياطين، وتُضاعف فيه الحسنات، لكن العبرة كل العبرة: هل فُتحت أبواب القلوب؟
شهر رمضان المبارك يعلّمنا أن أعظم الجهاد هو جهاد النفس، وأن حقيقة الصيام ليست في الجوع والعطش، بل في حفظ اللسان، وغض البصر، وصيانة السلوك، واستقامة السر والعلن.
ويعلّمنا أن العبادة ليست ممارسات عابرة، بل حياة تُعاش، وأن القرب من الله جلّ في علاه ليس حكرًا على زمان دون زمان، بل سبيل مفتوح لمن صدق.
شهر رمضان المبارك يذكّرنا أن الفقر الحقيقي ليس قلة المال، بل قسوة القلب، وأن الغنى الحقيقي هو امتلاء الروح بالله سبحانه وتعالى.
فيا من يترقب شهر رمضان المبارك…
استقبله بقلبٍ مختلف.
استقبله بنيّة صادقة.
استقبله بشوق العارفين، وخشية الموقنين، ورجاء المشتاقين.
لا تجعله موسمًا عابرًا، بل محطة تحول.
ولا تجعله زمنًا محدودًا، بل بداية مسار.
اجعل نيتك هذا العام وكل عام:
أن تكون أقرب إلى الله عزّ وجلّ،
أصدق مع نفسك،
أنقى سريرة،
ألين قلبًا،
وأكثر رحمة بالخلق.
شهر رمضان المبارك لا يطلب منك الكمال…
بل يطلب منك الصدق.
فإن صدقت في الإقبال، صدق الله تعالى لك في العطاء.
وإن أقبلت بقلب منكسر، جبرك الله سبحانه وتعالى.
وإن طرقت باب الرحمة بصدق، فُتح لك بلا حساب.
اللهم بلّغنا شهر رمضان المبارك، وبلّغ  شهر رمضان المبارك  قلوبنا قبل أجسادنا، واجعلنا فيه من المقبولين، ومن عتقائك من النار.