بقلم - علي بن عيضة المالكي
تحتل جودة الحياة موقعًا متقدمًا في الرؤى التنموية المعاصرة، نظرًا لارتباطها المباشر بالإنسان واحتياجاته الفكرية والنفسية والاجتماعية.
وقد تجاوز هذا المفهوم حدود الرفاهية المادية ليشمل بناء الإنسان المتوازن القادر على التفاعل الإيجابي مع محيطه والمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية.
ومن هذا المنطلق، برزت جودة الحياة كمسار استراتيجي يعزز النمو الإنساني، ويؤسس لمجتمعات أكثر استقرارًا وقدرة على تحقيق تطلعاتها المستقبلية.
لقد أصبحت جودة الحياة في العصر الحديث مفهومًا محوريًا في الخطاب التنموي، لما تحمله من أبعاد إنسانية تتجاوز المؤشرات الاقتصادية التقليدية، وتلامس جوهر حياة الإنسان وكرامته واستقراره.
فالتنمية الحقيقية تقاس بقدرتها على الارتقاء بالإنسان فكرًا وسلوكًا وشعورًا، وهو ما يجعلها مسارًا استراتيجيًا للنمو المستدام.
وبما أننا نسلط الضوء على الجودة، فإنه يتعين معرفة أنها تقوم على منظومة متكاملة من العوامل التي تشمل الصحة الجسدية والنفسية، والتعليم النوعي،وفرص العمل الكريمة، والبيئة الآمنة، والعلاقات الاجتماعية المتوازنة.
ويؤدي هذا التكامل إلى تعزيز قدرة الإنسان على التفاعل الإيجابي مع محيطه، وتحقيق التوازن بين متطلبات الحياة المهنية والشخصية، بما ينعكس على مستوى الرضا العام والاستقرار النفسي.
ويبرز الأثر الأساسي لجودة الحياة في دورها الفاعل في تنمية رأس المال البشري، حيث يسهم الإنسان المتمتع بجودة حياة مرتفعة في رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، والمشاركة الواعية في صنع القرار.
كما يساعد هذا المناخ الداعم على تنمية المهارات، وترسيخ قيم الانتماء، وتعزيز الثقة المتبادلة بين الفرد والمجتمع.
وتتجسد أيضًا في السياسات العامة التي تضع الإنسان في صدارة الأولويات، من خلال تطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتحسين البنية التحتية، وتوفير مساحات حضرية تعزز نمط الحياة المتوازن.
ويعكس هذا التوجه فهمًا عميقًا للعلاقة الوثيقة بين رفاه الإنسان واستدامة التنمية، حيث يؤدي الاستثمار في جودة الحياة إلى بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات.
كما تؤدي دورًا مهمًا في تعزيز القيم الإنسانية، مثل الاحترام المتبادل، والتكافل الاجتماعي، والمسؤولية المجتمعية.
وتساعد هذه القيم على خلق بيئة إيجابية تدعم النمو الإنساني، وتسهم في بناء أجيال واعية قادرة على التكيف مع المتغيرات العالمية دون فقدان هويتها الثقافية.
وفي ضوء ذلك، تمثل جودة الحياة خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، يعكس رؤية تنموية شاملة تستند إلى الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها.
ويؤسس هذا الخيار لنمو متوازن، يقوم على الوعي والمعرفة والاستقرار، ويقود نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.
إن جودة الحياة تمثل استثمارًا واعيًا في الإنسان، وتعبيرًا عن رؤية تنموية تضع كرامته ورفاهيته في صميم الاهتمام.
ويظهر أثرها في قدرتها على دعم النمو المتكامل، من خلال تعزيز الصحة والمعرفة والإنتاجية والقيم الاجتماعية.
ومع تبني سياسات تنموية شاملة تعزز جودة الحياة، تتشكل بيئة إنسانية قادرة على صناعة مستقبل مزدهر يقوم على التوازن والاستدامة والوعي المشترك.