بقلم ـ د. أحمد بن سعد بن غرم الغامديالليل الثقيل على النفوس المتعبة !
يا ليلُ… كم أنت ثقيل عليها ، كم يختبئ في ظلك من أسى وكُتَل؟
القمر شاحبٌ كوجه حزين، والنجوم كدموع تتوارى خلف ستار السماء.
السكون ليس سكونًا، بل انتظارٌ، كأن الكون يحبس أنفاسه قبل أن يُكتب قدرٌ عظيم.
وفي المسجد الحرام ، وعلى حافة السطح وقف رجلٌ،
عيناه بحيرتان كبحرين جليديين،تحكيان قصص الألم، وتغرزان في الروح شوك الذكريات.
اليوم كان مطحونًا بين الرحى،حلمه صار غبارًا، وقلبه صخرةٌ ثقيلة تسحب كيانه إلى هاوية بلا قرار.
وفي الأسفل، حيث تتنفس الحياة بقوة إيمانية فولاذية من النظام والواجب، وقف جندي سعودي فارسٌ، ليس عاديًا، بل فارسُ الوجدان.
اسمه ريان بن سعيد العسيري،وكالرحمة، يمد ظلّه ويعطي دون انتظار.
عيناه صقران، يقرآن الظلال ويشعران بنبض الحياة بين السطور.
لم يتعلم الفروسية في المدارس فقط، بل في تربة شعبه،
في قيم الشهامة، وفي واجب النجدة الذي هو دينٌ ومصير.
فجأةً، شعر بالارتجاج الخفي للكون، نبضة استغاثة لم تَصدر صوتًا، لكنها اخترقت صمت الليل.
رفع رأسه، فرأى الإنسان على حافة العدم، بين حياةٍ لا تُطاق وموتٍ يلوح من بعيد.
لم يقل: “سأنقذه”، بل اندفعت قدماه قبل أن يفكر، كالسهم من القوس، كالبرق في السرعة، وثابت كالجبال في الإرادة.
وفي الثانية التي كاد فيها اليأس أن يبتلع الروح، وصل الفارس، جسدٌ يمتد درعًا، وذراعان جسرٌ بين الموت والحياة.
انطلق الجسد من على الحافة، وصوت الريح يصفر كصهيل الخطر،
ثم وقع الارتطام، زلزالٌ في عالم القيم.
جسد يحمل ثقل اليأس، وجسد يحمل قوة الإيمان.
ارتجت عظام ريان، وانهار ظهره تحت الصدمة، كأن الأرض كلها جمعت وزنها على ذراعيه.
الألم كان سيفًا ناريًا، لكن قبضته لم تنحنِ، أنفاسه تتصاعد كبخار التضحية في الهواء البارد.
المعركة كانت صامتة،الإرادة ضد الجاذبية، الرحمة ضد الفناء.
وفي عيني الرجل المذعور، قال كل شيء: رأى الموت ثم رأى اليد التي تنقذه.
عاد الاثنان إلى بر الأمان، منهكين،لكن الحياة عادت في كل نفس.
سقط ريان، محملاً بجسد منهك عليه أطنان الألم ،سقط على الأرض وروحه فرحة مسرورة بعملها البطولي .
جلس، ووجهه مرسوم عليه الفداء والتضحية في أسمى معانيها ،وعيناه تعيدان المشهد هادئتين بعد العاصفة.
نظر إلى الرجل، تأكد من سلامته، قبل أن ينظر لما أصيب به من كدمات وآلام ،إصاباته كانت شهادة مكتوبة على جسده: “هذا ثمن نفس بشرية”.
وابتسم، كأنه يقول: “الألم يزول، وتبقى الحسنات والذكرى الطيبة”.
منذ تلك اللحظة ، تغير المكان، ليس شكلاً بل جوهرًا،مكان ملحمة خاصة علق في فضائها، نور الفروسية والنخوة.
من يمر هناك يشعر بنسمة دافئة، وكأن روح الرحمة ما زالت تحوم.
واليائسون الذين يقتربون من الحافة يسمعون همسًا ينبعث من المكان : “هنا وقعت ملحمة الفداء ، الفارسٌ الذي عرض نفسه للموت ، لإنقاذ روح جاءت إلى المسجد الحرام ،
تقول هنا ريان… وهناك المزيد من الريان في هذه الأرض الطيبة”.
إنها تقول للعالم كله ، هنا المملكة العربية السعودية التي تنسج ملاح الإنسانية الخالدة،ليس بضجيج الأسلحة، بل بصدق المواقف.
ليس بخطب رنانة، بل بفعلٍ صامت يقول كل شيء.
ريان بن سعيد العسيري لم يكن مجرد رجل يؤدي واجبًا،
بل تجسيد روح شعب بأكمله:شعب الشجاعة، والكرم، والعطاء، والنجدة، والإيمان بأن إنقاذ روح واحدة كإنقاذ البشرية كلها.
نسأل الله أن يمنّ على البطل بالشفاء العاجل،وأن تصبح إصاباته نورًا يضيء دروبه، ورفعة في الدنيا والآخرة.
وصية القصة :" تقول إن الأرض التي تحمل اسم الخير المملكة العربية السعودية ، هي الرحمة والهداية والفداء والتضحية والشجاعة في أجمل صورها للبشرية كلها ”.