النهار
بقلم - جمعان الكرت
في شَدَا… كلُّ شيءٍ مبهج.
نباتاتٌ نادرة، وصخورٌ ذات تشكيلات هندسية آسرة، وكهوفٌ تختزن أسرارًا موغلة في القِدم.
إنسانُ شَدَا اختار الشموخ، فاستوطن الجبل، وطوّعه، واستفاد من خيراته، متناغمًا مع شدو الجبل وحكاياته وأساطيره.
حين تقف أمام هذا الجبل، تشعر بمهابةٍ تختلف عن مهابة الجبال الأخرى؛ لا لسموقه فحسب، ولا لتلك “القِلّة” الصخرية التي تعلو هامته بلا عناء، ولا لوجود مصلى إبراهيم المتوَّج إحدى قممه… ليس لكل ذلك وحده، بل لأن الجبل يحمل في طياته أسرارًا لم تُفكّ رموزها بعد، حتى ليخال لك أن شَدَا أسطورةٌ هبطت من السماء.
كلُّ ما في جبل شَدَا يثير الدهشة، ولا سيما تلك الصخور التي تبدو وكأن فنانًا تشكيليًا بارعًا حدّد مواقعها في لحظة صفاءٍ وإبداع. ويخشى المرء أن تمتد يد العبث البشري إلى هذه التكوينات الفريدة فتفتتها وتكسر أضلاعها. ومن هنا تنبّه المبدع ناصر الشدوي إلى تلك الإرهاصات، فقدم تصورًا إبداعيًا يستثمر الطبيعة وتشكيلات الصخور دون تحطيم أو تغيير، مقترحًا تحويل المكان إلى منتجعٍ جبليٍ صغير، يقدّم الفكرة للمسؤولين عن السياحة بوصفها مشروعًا يحفظ الجمال ويحتفي به.
موقع الجبل:
يقع جبل شَدَا بين مدينتي قلوة والمخواة جنوب غربي المملكة العربية السعودية، ويقدَّر ارتفاع قمته عن مستوى سطح البحر بنحو (2200) متر.
معنى شَدَا:
تعني ارتفع وسما، وتذكر بعض المعاجم أنها تأتي بمعنى القوة.
عمر الجبل:
تكوَّن نتيجة لحركات الرفع للدرع العربي قبل ملايين السنين، وشكّل منطقةً انتقالية بين رفّ البحر الأحمر ومرتفعات السروات. ويتكون شَدَوان من الصخور النارية الجرانيتية التي ارتفعت وانكشفت بفعل الحركات الأرضية البانية للجبال، ويعود تاريخها إلى ما قبل العصر الكمبري، أقدم العصور الجيولوجية في تاريخ نشأة الأرض.
المناخ:
تتميز أجواء القرى في جبل شَدَا بالبرودة شتاءً والاعتدال صيفًا، وكثيرًا ما يلفّه السحاب.
أهم القرى:
الفرع، الأشراف، رحبان، النمرة، الطوارف، الدهنة، ثعلب، الأساحة، الطرف، حظاة، عضاض، الروس، الشفا، العرضية.
تنوع الغطاء النباتي:
يتنوع الغطاء النباتي تنوعًا لافتًا؛ إذ سجلت باحثة بريطانية أنواعًا نباتية نادرة، كما استعرض الدكتور أحمد قشاش عددًا من هذه الأنواع بالصور في موسوعته النباتية الصادرة حديثًا بعنوان (النباتات في جبال السراة والحجاز)، مشيرًا إلى وجود نباتات مهددة بالانقراض. ويعود سبب كثافة الغطاء النباتي في جبل شَدَا إلى عزلته ووعورة الصعود إليه، ما جعله أشبه بمحميةٍ طبيعية.
متحفٌ لأشكال الصخور:
المتأمل لأشكال الصخور والتجويفات التي نحتتها عوامل التجوية، يخيّل إليه أنها كائنات متحركة، تتجلى بأبعادٍ متعددة وأشكالٍ تجريدية. فبعضها يشبه الوجوه الآدمية المستلقية بعيونٍ واسعة شاخصة، وأفواهٍ صارخة، وأنوفٍ شامخة، وجماجم ضخمة، وأخرى على هيئة قدورٍ أو مجسّمات غامضة. وبمجموعها، تشكّل هذه الصخور متحفًا طبيعيًا مدهشًا يثري الخيال السريالي، بأشكالٍ إيمائيةٍ حركية لا تنتمي إلى مدرسةٍ فنية بعينها، بل صنعتها الطبيعة بقدرة الخالق، ليغدو الجبل أكبر متحفٍ مفتوح لأشكالٍ صخرية عائمة في فضاءات الجبل، ومصدر إلهامٍ للشعراء والروائيين وعشّاق الطبيعة.
المحاصيل الزراعية:
يعدّ البن من أبرز المحاصيل التي يوليها السكان عنايةً خاصة، لا بوصفه محصولًا اقتصاديًا فحسب، بل لأنه يمثل طقسًا يوميًا ومبتغًى روحيًا. ففناجين القهوة المرة في الصباحات الباكرة تمنحهم متعةً وراحةً نفسية، استعدادًا ليومٍ حافل بالنشاط، سواء في الزراعة أو الرعي حتى ساعات الغروب. ويروي الأهالي أن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن – رحمه الله – كان يفضّل البن الشَدَوي على غيره من أنواع البن المستورد.
هل يمكن أن يتحول شَدَا إلى منتجعٍ جبلي؟
سؤالٌ يفرض نفسه: هل يمكن استثمار إمكانات شَدَا الجمالية من صخورٍ ونباتات، وتهيئته ليكون نُزُلًا عاليًا يصعد إليه الراغبون في مشاركة الحلم، والعيش بين ندف السحاب، واستجلاء لحظات الجمال، واستنطاق عظمة الخالق عز وجل؟
إنها فكرةٌ تستحق التأمل… وربما التحقيق..