الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ ديسمبر-٢٠٢٥       8910

بقلم - د . أحمد بن سعد بن غرم الغامدي

إن الشرود عن الله ليس مجرّد انحراف سلوكي عابر، بل هو حالة روحية عميقة تبدأ خفية في القلب ثم تتسع شيئًا فشيئًا حتى يجد الإنسان نفسه غريبًا عن مصدر النور، بعيدًا عن موطن الطمأنينة، محاصرًا بفراغ لا يملؤه شيء مهما تنوّعت مصادره.

فمنذ خلق الله الإنسان وهو يحمل في فطرته نداءً داخليًا يطلب المعنى، ويشتاق إلى العلو، ويبحث عن الحقيقة.

وهذه الفطرة، إذا لُبِّيت بالدين الحق، اطمأنّت، وإذا حُجبت بالشهوات والغفلات اضطربت واضطرب معها كل شيء في حياة صاحبها.

ولذلك كان الدين في أصله ضرورة روحية، وحاجة إنسانية لا يستغني عنها قلب ولا يكتمل بها عقل ولا تستقيم بغيرها حياة.

والشرود عن الله تتعدد صوره ومراتبه، فأعلاه ما كان كفرًا أو نفاقًا، حين يُغلق القلب أبوابه في وجه الإيمان ويستبدل نور الله بظلمات الهوى، فيعيش صاحبه انفصالًا تامًا عن خالقه، ظاهرًا أو باطنًا.

وتأتي بعده كبائر الذنوب التي تُضعف صلة العبد بربه وتثقِّل روحه وتشوّه صفاء فطرته، ثم تتدرج صور الشرود إلى صغائر الذنوب التي قد يظنها الإنسان هينة لكنها إذا تراكمت صنعت في القلب وحشة كالجبال.

وكل هذه المراتب، مهما اختلفت شدتها، تشترك في شيء واحد: أنها تُبعد الإنسان عن الله بقدر ما تُبعده عن نفسه.

والإنسان يشرد عن ربه حين يضعف إيمانه فلا يبقى في القلب ذلك اليقين الذي يضيء له الطريق، أو حين ينقاد خلف شهواته التي تُغريه اليوم لتخذله غدًا، أو حين يبتلعه ضجيج البيئة الفاسدة التي تصوغ الوعي وتشكّل القيم وتُنسيه ذاته وربه.

وقد يكون الشرود بسبب جهلٍ بحق الله وبكماله، أو بسبب غفلة ثقيلة تجعل العبد لا يرى إلا الدنيا وهمومها ومتاعها القصير، فينسى أن له دارًا أخرى وإلى ربّه مآبًا.

وكل هذه الأسباب تلتقي عند جذر واحد: قلبٌ لم يُروَ بذكر الله، وعقلٌ لم يستنر بنوره، وروحٌ تبحث عن شيء ضاع منها دون أن تعرف أين تجده.

وحين يشرد الإنسان عن الله، فإن أول ما يفقده هو المعنى.

يعيش جسدًا بلا روح، وحركة بلا مقصد، ويبدأ في الشعور بذلك الفراغ الذي لا يملؤه منصب ولا مال ولا شهرة؛ لأنه فراغ روحي، لا يملؤه إلا الذي خلق الروح وسوّاها.

ثم يتسلل إليه القلق، ويغمره الاضطراب، وتتنازع نفسه رغبات متناقضة لا تمنحه إلا مزيدًا من الضياع.

ويبدأ أثر الشرود يظهر في حياته كلها: في علاقاته، في قراراته، في نظرته للعالم.

ومع ذلك يظل الشرود الأخروي هو الأخطر، حين يلقى الإنسان ربه بقلبٍ أغلقه بيده، وبعملٍ أضاعه بإهماله، وبطريقٍ سار فيه بعيدًا عن الهدى.

ومع هذا كله، فإن رحمة الله أوسع من شرود العباد، وإن أبواب العودة مفتوحة لا تُغلق ما دام في القلب نبض وفي الصدر أنفاس.

والرجوع يبدأ بتوبةٍ صادقة تُعيد ترتيب القلب، وبندمٍ يطهّر الداخل، وإقلاعٍ يعيد للروح صفاءها.

ويُجدِّد العبد إيمانه بالعلم بالله وبآياته، ويُكثر من الطاعات التي تُصلح ما أفسده الشرود، وتأتي الصلاة في مقدمتها لأنها صلة يومية تنزل على القلب بردًا وسكينة وتمنع صاحبها من السقوط في دروب الظلام.

ثم تحيط العبد صحبةٌ صالحةٌ تعينه على نفسه، ويُكثر من الدعاء الذي هو اعتراف بالفقر إلى الله، ويُقبل على القرآن قراءةً وتدبرًا ليعيد إلى قلبه هدايته الأولى.

وهكذا يعود العبد من الشرود إلى السكينة، ومن التيه إلى المعرفة، ومن الظلمة إلى النور.

وليس في الوجود سعادة تشبه سعادة قلب عاد من هروبه إلى ربه، ووقف على باب الرحمن وقد علم أن كل شيء في الدنيا يمكن أن يتخلى عنه إلا الله.

يقول تعالى: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».

وفي رحاب هذه الآية يدرك الشاردون أن الطريق إلى الله أقرب مما يتصورون، وأن العودة ليست بعيدة؛ فما على القلب إلا أن يلتفت، وما على الروح إلا أن تتذكر، وما على العبد إلا أن يطرق الباب .

وبالتأكيد نحن لا نزكي أنفسنا من بعض الشرود ! فهل أنت كذلك ؟

قال الله تعالى : ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) .

اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك .