بقلم ـ د. أحمد بن سعد بن غرم الغامدي
إن التعايش مع العالم ضرورة إنسانية، ومرتبة شرعية، وسنّة كونية دلّت عليها نصوص الوحيين، وسار عليها الأنبياء، وجسدها النبي ﷺ في كل مراحل الدعوة: في مكة حين كان كان المسلمون مستضعفين ، وفي المدينة حين صاروا أقوياء.
فالإسلام لا ينشأ في عزلة، ولا يأمر بالقطيعة، ولا يمنع التعامل مع الناس، بل جاء ليقيم العدل، ويرعى جيرة الإنسان، ويحقن الدماء، ويقيم السلم، ويهدي القلوب، ويجمع البشر على كلمة سواء.
وقد كان العالم ـ ولا يزالون ـ أصنافاً في علاقتهم بالمسلمين: منهم من يعيش بين المسلمين، ومنهم من يعاهدهم، ومنهم من يسالمهم، ومنهم من يطلب الأمان، ومنهم من يدخل في صلح، ومنهم من يعتزل الحرب، ومنهم من يحارب. ولكل صنف منهم حكمه الشرعي الذي ينظّم علاقة التعايش، ويحفظ حقوق الجميع.
ومع هذا التنوع تبقى عقيدة الولاء والبراء أصلاً ثابتاً يحدد انتماء المسلم العقدي، دون أن تعني جوراً ولا ظلماً في المعاملة، كما أكد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين قال:“الولاء والبراء بابه الاعتقاد، وأما المعاملة فبابها العدل والإحسان.”
وقد ذكر القرآن أن الأصل هو العدل والسلم مع غير المعتدي، فقال تعالى:﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾،ثم بيّن أن المنع إنما هو تجاه المعتدي المحارب، فقال:﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونِ﴾.
فالتعايش قاعدة، والعداء استثناء لا يكون إلا لحماية النفس والدين.
ومن صور هذا التعايش المشروع:
أولاً: الذمّي
وهو من يعيش في بلاد الإسلام بعهد مستقرّ، وله حقوق الدم والمال والعرض، ويعامل بعدل ورحمة. وقد شدّد النبي ﷺ فقال: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة». والولاء والبراء هنا يتحقق بأن لا يُوادّ في دينه، ولا يُعظَّم شركه، مع بقاء العدل والتعامل الكريم.
ثانياً: المعاهد
وهو الذي بينه وبين المسلمين عهد محدد المدة، سواء دولة أو قبيلة أو فرد. وقد أقام النبي ﷺ هذا النوع من التعايش في صلح الحديبية وغيره، وقال تعالى في شأن العهود: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. والوفاء بالعهد جزء من الدين، لا ينافي البراءة من عقيدته.
ثالثاً: المستأمن
وهو من يدخل بلاد المسلمين يطلب أماناً مؤقتاً، كالسائح والتاجر والطالب. وقد أمر الله بإجارته ولو كان مشركاً:﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.
فالإسلام يحفظ حياته، ويضمن سلامته، ويحسن معاملته، مع بقاء التمييز العقدي.
رابعاً: صاحب الصلح (المصالح معنا)
وهو الذي بينه وبين المسلمين صلح متفق عليه، لوقف القتال أو تبادل المنافع أو تحقيق مصالح مشتركة.
وقد فعله النبي ﷺ، وشرعه القرآن، وذكر ابن تيمية أن الصلح جائز إذا كان فيه مصلحة شرعية، ولو لم يكن الطرف الآخر مؤمناً.
وهذا النوع من التعايش هو أساس العلاقات الدولية المعاصرة.
خامساً: المسالم الذي بيننا وبينه سلام
وهو الذي لا بينه وبين المسلمين عهد مكتوب كالعقد أو الصلح، ولا أمان مؤقت كالمستأمن، لكنه في حالة سلام فعلي مع المسلمين، لا يعتدي ولا يعين معتدياً، وربما تقوم بينه وبين المسلمين معاملات، أو تجارة، أو تبادل مصالح طبيعية. وهذا حال كثير من الشعوب التي ليست في حرب ولا في حلف.
وقد دل عليه قوله تعالى:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾،
وقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
وهو نوع من التعايش الطبيعي الذي يقوم على السلم، دون موالاة دينية، ولا اختلاط عقدي، بل هو احترام وإنصاف وعدل، والولاء والبراء فيه يتحقق بأن يعامل بالسلام دون أن يُوالَى على غير الحق.
سادساً: المعتزل لحرب المسلمين
وهو الذي لا يحارب المسلمين، ولا يعاون محارباً، كما قال تعالى:
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ﴾.
فهذا يُترك بسلام، وتُحفظ حقوقه، ويُتعامل معه بالتجارة والمصلحة المباحة، دون موالاة عقدية.
سابعاً: المحارب
وهم الذين يقاتلون المسلمين، أو يعتدون عليهم. ولا مجال للتعايش حال الحرب، ولكن الإسلام حتى في هذا المقام نهى عن الغدر، والقتل بغير حق، والإفساد، وقطع الأشجار بغير موجب، وأمر بالعدل.
ومع ذلك فباب الدعوة إليهم مفتوح، فإن النبي ﷺ دعا ألدّ أعدائه، فكان منهم من أسلم وصار من خيرة الناس.
ومع كل هذه الأنماط يبقى باب الدعوة إلى الله مفتوحاً، فهي غاية التعايش، لأنه قيام بالبلاغ والرحمة والهداية.
وقد أمر الله بالدعوة حتى مع من طلب الأمان، فقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾.
وقرر ابن تيمية أن الدعوة من أعظم مقاصد السلم والصلح، وأن إقامة الحجة واجبة على قدر الاستطاعة.
ولكي تظل هوية المسلم ثابتة في هذا التعايش، جاءت عقيدة الولاء والبراء لتضبط العلاقة على ميزان الإيمان:
فالمسلم يوالي المؤمنين محبةً ونصرةً وانتماءً، ويبرأ من الكفر وأهله من حيث العقيدة، دون ظلم ولا عدوان في المعاملة.
قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، وقال: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾.
وبهذا يجمع المسلم بين قلبٍ لا يرضى بالكفر، وخلقٍ لا يظلم الكافر، وبين عقيدة صافية، وتعامل رحيم عادل، وبين ثبات على الدين، وانفتاح على العالم بالمعروف.
وهكذا يظهر أن الإسلام دين يُقيم السلام حيث أمكن، ويقيم العدل حيث وجب، ويقيم الجهاد حيث فُرض، ويقيم الدعوة في كل حال.
دينٌ يجمع العالم على كلمة الحق دون أن يتنازل عن حق، ويحفظ كرامة الإنسان دون أن يرضى بالباطل، ويوفّي بالعهد دون أن يذوب، ويبرُّ المسالم دون أن يواليه على دينه، ويصلح الأرض بلا عدوان.
هو دين عالمي يحقق مقاصد الرحمة والعدل والإحسان والقوة، ويُظهر للعالم كله معنى قوله تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.