جمعان الكرت
المجتمع وصون التراث غير المادي
بقلم:جمعان الكرت
بادرة رائعة تقوم بها وزارة الثقافة ممثلة في هيئة التراث وذلك بإنجاز مشروع تسجيل وحصر وتوثيق التراث غير المادي بهدف الحفاظ عليه وصونه من الضياع والاندثار، سيما وأن مناطق المملكة تحظى بتنوع ثقافي زاخر ، وقد بدأت الخطوات الفعلية بعقد ورش في عدد من مناطق المملكة ومن بينها منطقة الباحة لمناقشة خمسة مجالات كالمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، والتقاليد الشفهية والتعبيرات واللغة وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية والمناسبات الاحتفالية، والحرف اليدوية والتقليدية، ولا يتحقق النجاح إلا بوجود عنصر هام وهو المجتمع المحلي بصفته الحاضن الحقيقي للتراث الشعبي .
ونلحظ أن هناك خلط بين التراث المادي وغير المادي مما يحتاج المشروع إلى فريق عمل نابه يوصل الرسالة بكل وضوح ،
مثلا الحصن، أو المنزل التراثي، أو المدرج الزراعي، أو الأبواب والنوافذ والزفر المنقوشة فتلك عناصر مادية لا غبار عليها إلا أن لكل جزئية منها قصة بدءًا من اختيار موقع المبنى ليواجه أشعة الشمس واتجاه الرياح والابتعاد عن مجاري الأودية والاقتراب من الجيران، وترك حيازات مناسبة للاستفادة منها في الزراعة ، ولكل مكون من مكونات المبنى قصة أيضا تأتي في مقدمتها عملية قدّ الأحجار من الجبال وعدم الاعتداء على ممتلكات القرى المجاورة وكذلك اختيار نوع الخشب المناسب لتسقيف المنازل تسبقها الموافقة القبلية للاقتطاع والكمية المسموح بها ونوع الشجر ليأتي بعدها اختصاص البنائين وطريقة عملهم والأهازيج التي يستخدمونها كنوع من التحفيز ونوع وأحجام الأحجار وطريقة وضعها، ومشاركة الأهالي في الطينة لتسقيف المنزل ومشاركة النساء في جلب الماء من الآبار يأتي بعدها العمل الإبداعي في أسلوب النقش على الأبواب والنوافذ بأشكال هندسية وزخارف منوعة ليوقع النجار اسمه وتاريخ البناء في موقع يحدده، كما أن الموروث الشعبي يعد أكثر عناصر التراث غير المادي يتمثل في الشعر الشعبي حيث تلقى القصائد بطروق مختلفة يراعى فيها الشقر في نهاية كل بيت بما يسمى في علم البلاغة بالجناس وأيضاً طريقة أداء الألحان والرقص والتحلاج وتنظيم العرضة في الحركة والدوران ومراعاة وجود أعيان القرية وكبار السن في المقدمة، وهناك اختلاف واضح بين العرضة والمسحباني واللعب سواء في اللحن أو الأداء أو الحركة حتى في الإيقاع ، وتزخر القرى بالكثير من الحكايات والروايا والأساطير والألغاز والأحاجي شكلتها الثقافة الشعبية على مرّ السنين وأصبحت جزءًا من ثقافتهم، تم تناقلها بين الاجيال. وكل نوع له مضامين وأهداف كالتنبيه وعدم الانسياق والحذر واحترام الكبير والطموح، وعدم التسرع،وهي في الحقيقة تسعى لتحقيق مضامين ذات قيمة اجتماعية وأخلاقية بل كانت بمثابة الدروس التي يتشربها الأطفال لتعزيز شخصياتهم، أما العادات والتقاليد فهي الأخرى تأخذ أشكالا حسب المناسبة كالعيد ورمضان والزيجات والحصاد والدياس وسقيا المزارع عن طريق الثيران والختان وحمى الطير وطريقة صيد الطيور بالمصايد الحجرية المعروفة بالمناسب، أما قصة وفد العروس إلى منزل العريس فهي حكاية تأخذ ملامح الجمال حيث تتوشح العروس بملاءة خضراء شفافة تظهر تقاسيم وجهها مع ارتداء مشلح يعطى لصاحبه لحمة من مقام العروس والذي عادة من لحم ثور قد يتم تقسيمه لعدد من الزيجات في القرية الواحدة ويسير موكب العروس في طرقات القرية وهم يمارسن اللعب والرقص حتى يصلن منزل العريس الذي يقف ساعة وصولهن بالقرب من المنزل يطلق الأعيرة النارية بكثير من الانشراح موجها فوهة البندقية نحو السماء، وتكاد مستلزمات العروس تكون متشابهة في المجتمع القروي من خواتم ذهب ومفارد ظفار وملابس وأقمشة وسحارية وبعض الأواني البسيطة.
وقد برز في المنطقة عدد من الأطباء الشعبيين تمكنوا من علاج بعض الأمراض ولا شك أن تسجيل وتوثيق تلك الأساليب العلاجية ضمن التراث غير المادي غاية في الأهمية.
حيث لا يمكن حصر التراث غير المادي في مقال، إلا أنه يعول على فريق العمل إنجاز هذا المشروع التراثي والإنساني والذي تشرف عليه هيئة التراث بوزارة الثقافة ونتمنى المشاركة الفعلية من المجتمع المحلي بمساندة هذا المشروع الثقافي المهم الذي يحفظ للأجيال ما كان عليه الآباء والأجداد في فترات سابقة .