النهار

٢٧ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يناير-٢٠٢٦       4730

بقلم - جمعان الكرت
القرية ليست مجرد منازل تُشيَّد، بل نسيج حيّ من العلاقات الإنسانية والوجدانية، يتشكل في إطار من التنظيمات الاجتماعية المستندة إلى العادات والتقاليد والقيم والدين. إنها وحدة اجتماعية قبل أن تكون وحدة سكنية، يلتقي أهلها في الأفراح والأتراح، وفي دور العبادة والأسواق، حيث تتقاطع المصالح وتتآلف القلوب.
ويُعدّ البيت في القرية عنصرًا أساسًا من عناصر الثقافة المادية، تلتقي عنده شبكات من العلاقات الاجتماعية التي تتداخل مع سائر مكونات الحياة اليومية. ومن هنا، لم يكن اختيار سكان وادي قوب لمواقع قراهم عشوائيًا، بل جاء محكومًا باعتبارات معيشية دقيقة، تتصل بالزراعة أو الرعي أو التجارة، مع الحرص على تجنّب مجاري السيول والمسارات الرئيسة للوادي. فتركوا ضفافه مساحة مفتوحة للجمال، وزيّنوها بالمصاطب الزراعية التي شُيّدت كمدرجات حجرية تتبع الخطوط الكنتورية للجبال في تناغم بديع مع الطبيعة.
وتحكي هذه المصاطب قصة حضارة زراعية ضاربة في أعماق التاريخ، جسّدت قدرة الإنسان على التكيّف مع بيئته واستثمار خيراتها؛ من الحنطة والذرة والبوسن، إلى العنب والحماط واللوز. ولم تكن تلك المدرجات مصدر رزق فحسب، بل شكّلت أيضًا نظامًا بيئيًا متكاملًا أسهم في حفظ التربة من الانجراف وتنظيم مياه الأمطار، وبقيت جدرانها صامدة لمئات السنين، رغم ما تعانيه اليوم من إهمال وتراجع في العناية.
أما المنازل، فحكاية أخرى ممزوجة بالعرق والتعب، ومفعمة بالحرفية العالية والمعرفة المتوارثة. يبدأ البناء بحفر ما يقارب مترًا في عمق الأرض، لتُشيَّد الأساسات من حجارة صلبة تُجلَب على ظهور الجمال من الجبال البعيدة. وتُرصّ الأحجار بعناية فائقة لتشكّل مداميك متينة بسمك قد يصل إلى متر، تُرفع تدريجيًا وفق عدد الأدوار المطلوبة، مع مراعاة التناسق البصري والانسجام مع المشهد العام.
وتُسقَّف المنازل بخشب العرعر، المعروف محليًا بـ«البطن»، وتُضاف إليه الأغصان الرفيعة (الجريد). وإذا اتسعت مساحة الغرفة، استُخدمت «السواري» لدعم السقف، ثم يُغطّى بطبقة من شجيرات العرفج تعلوها طبقة من الطين، في عزلٍ طبيعي يقي من الحر والبرد. كما يُراعى توزيع الأبواب والنوافذ الخشبية المزخرفة بنقوش هندسية دقيقة، لتضفي على المكان مشهدًا معماريًا أخّاذًا يعكس الذائقة الجمالية لأهله.
ويقوم البناء على «الزافر»، الذي يتفرّد بنقوشه الجميلة كأنه لوحة فنية منحوتة في الحجر، بينما تُطلى الجدران الداخلية بـ«الشِّيدة» للمحافظة على الدفء، وصدّ الحشرات، ومنح المكان إشراقة خاصة. وغالبًا ما تتكوّن البيوت من دورين: السفلي لإيواء الحيوانات وتخزين العلف، والعلوي لاستقبال الضيوف والسكن، ويضم العُلّية، والمشب، و«الجهوة» (الشرفة) المطلة على فناء الدار، حيث تمتدّ الرؤية نحو الحقول والمصاطب.
وتُزيَّن قمة المنزل بـ«الجون»، وهي أحجار مرو بيضاء مرصوصة بعناية، تعكس الضوء وتمنح المبنى مسحة جمالية، بينما تُوضع على السطح «القِترة» الفخارية لتسمح بمرور الهواء وأشعة الشمس، وتنفيس الدخان المتصاعد من مواقد الطهي.
ولم تغب عن أهل القرية أهمية بناء المسجد، فجعلوه في قلبها، ليسهل الوصول إليه من جميع الجهات، إلى جانب الحصن المشيَّد على قمم الجبال المجاورة، شاهدًا على حقبٍ مضت كانت فيها الحماية ضرورة تفرضها ظروف الزمان.
أما التشكيل البصري للقرية، فتكتمل ملامحه عبر «المساريب» التي تعبرها الأقدام وتمرّ فيها الدواب، والساحات المفتوحة بين البيوت، حيث تُقام الاحتفالات في الأعياد والمناسبات، وتُعقد المجالس وتُتداول الحكايات. فتبدو القرية، برابطتها الحميمة، كأنها بيت واحد، بنبض واحد، وذاكرة مشتركة، وروح واحدة تنبض بالحياة على ضفاف وادي قوب..