الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ نوفمبر-٢٠٢٥       22715

بقلم ـ علي بن عيضه المالكي

في كل لحظة يتوقد فيها الوعي، يولد سؤال. وفي كل سؤال يتجاوز ظاهر الأشياء، تتشكّل خطوة عقلانية تقود الإنسان نحو فهمٍ أعمق للعالم ولذاته. ليس العقل مجرد أداة للحساب أو التخزين؛ يكاد يكون حركة مستمرة بين الوعي والإدراك، بين الشك والفهم، بين القبول والتمحيص. ومن هنا تنشأ الفكرة العقلانية بصورتها الأكثر نضجًا: فكرة تراقب ذاتها وهي تفكّر، وتُسائل قناعاتها قبل أن تَقبل بها.

 صديقي القارئ: العقل الواعي ليس ذلك الذي يمتلك أكبر قدر من المعلومات، هو ذاك الذي يعرف كيف ينظّم ما يعرفه، وكيف يميّز بين ما يجب أن يُصدَّق وما يجب أن يُختبر. انعدام السؤال هو الوجه الآخر لانعدام الفهم، والسؤال غير العقلاني هو محض صدى لا يضيف وعيًا ولا يصنع إدراكًا. أمّا السؤال العميق، فهو بذرة العقلانية الأولى، وحركة الفكر التي لا تنطفئ.

ببساطة شديدة إن نقطة البداية التي تسبق الفهم والإدراك هي الوعي لأنه ليس معرفة إنما حالة ذهنية تجعل الإنسان يقف عند الأشياء وقفة المراقب ولا يكتفي بالمرور، أيضا الوعي يدفع العقل لأن يسأل لماذا أعتقد ما أعتقد؟ من أين جاءت هذه الفكرة ؟ هل هذا الرأي الذي أحمله هو رأيي فعلاً أم أنه صدى لغيري؟ كثيرون ينظرون، وقليلون يدركون أنهم ينظرون. الوعي هو تلك اللحظة التي يتنبّه فيها المرء لما حوله وما بداخله، فيعرف أن كل فكرة قابلة للمراجعة، وأن كل انطباع بحاجة إلى اختبار.

هذه الفلسفة تعطينا انطباعًا أن الوعي ما هو إلا يقظة داخلية تجعل التفكير أخلاقيًا، وتجعل المعرفة مسؤولة. وبدون هذه اليقظة، يتحول العقل إلى أداة تتلقّى بلا تمييز، وتحتفظ بلا فحص، وتنقاد دون تحليل.

أما الفهم فما هو إلا إعادة ترتيب الكل داخل الذهن، هو تلك الحالة التي نعرف كيفية حدوثها وطريقة تشكلها داخله.

ويمكننا أيضا تعريفه بأنه القدرة على جمع أجزاء الصورة، وربطها، وإدراك العلاقات الخفية بينها. قد يملك شخصان نفس المعلومات، لكن أحدهما يفهم والآخر يكرر. والفرق بينهما أن الأول يمتلك قدرة على الاستخلاص، وعلى رؤية ما وراء الظاهر. هذا هو الفرق بينهما ! وبما أننا نحلل المعلومات في خندق الذهن لنفهم ما نريد الوصول إليه فإننا بذلك نريد النظر إلى الأسباب قبل النتائج ، ونقرأ ما بين السطور وحين نتمكن من القراءة نستطيع إدراك المعنى خلف السلوك ولا نقف عنده وحده، أي أننا نميز فيما بعد بين ما يبدو وما هو كائن.

 كم من المرات يجب أن نركز على معنى ومضمون ما وراء السلوك، فالفهم يعد العملة الداخلية للعقل، إذن هو الامتحان الحقيقي لذكاء الإنسان: أن يستطيع إعادة بناء الواقع داخل ذهنه بطريقة تمنحه قدرة جديدة على التعامل معه.

ولكن هل من الممكن أن يلتقي الوعي والفهم والإدراك في طريق واحد؟

أما الجواب فيعطي الدلالة الأولى بالقبول أن يلتقوا في نقطة السؤال العميق.

السؤال الذي لا يكتفي بالظاهر، ولا ينخدع بالتصريحات، ولا يطمئن للسهل.

السؤال الذي يفتح بابًا، ويوسّع مدارك، ويخلق زاوية جديدة للبصر والبصيرة.

فمن دون وعي، لا يمكن أن نطرح سؤالاً صحيحًا.

ومن دون فهم، لا يمكن أن نسير خلف السؤال في طريق منطقي.

ومن دون إدراك، لا نعرف كيف نُعيد وصل اكتشافاتنا بالمحيطين من حولنا.

تلك الفلسفة، وذلك الإدراك يؤكد تمامًا أن رؤية الصورة الكبرى للمشهد يسوقنا نحو أفق أوسع من التحليل المنطقي للمفاهيم الثلاثة الآنفة الذكر.

فإذا كان الوعي هو لحظة الانتباه، والفهم هو عملية التفكيك وإعادة البناء، فإن الإدراك هو القدرة على رؤية الكُل، على ربط التجربة الشخصية بالقوانين العامة، وعلى اكتشاف النمط خلف التفاصيل الصغيرة.

الإدراك لا يمنحه العقل بسهولة، لأنه يتطلّب نضجًا فكريًا يسمح للإنسان بأن يتجاوز حدود اللحظة وحدود الذات. ومن دون الإدراك، يظل التفكير مشغولًا بما يحدث، لا بما يعنيه ما يحدث.

المدرك يرى العالم كشبكة، كمنظومة، كمشهد كامل ولا ينظر إليه على أنه حدث منفصل.

ولذلك، الإدراك هو أعلى درجات التبصّر، وهو الذي يجعل السؤال لا يقتصر على “ماذا؟ ”إنما يتوسع إلى “كيف؟” و“لماذا؟” و“إلى أين؟”.

أما شبكة التفكير العقلاني تمنحنا الوصول بسهولة إلى حماية الإنسان من الانجراف خلف العاطفة غير الموزونة وتعطينا مناعة من الانجرار خلف الأفكار الجاهزة أو الجري وراء الهالة التي تغرق الحقيقة فهو يوازن بين القلب والعقل ، بين الشعور والمنطق ، وبين الحدس والبرهان.

فإذا ما أراد الشخص أن يكون واعيًا وفاهمًا ومدركًا يتعين عليه ألا يقبل الفكرة حتى يسائلها، ولا يرفضها قبل أن يفهمها، ولا يتبنى موقفًا إلا بعد أن يختبر دوافعه، هكذا يمكنه النجاة من كابوس الوهم وترتفع جودة التفكير، ويتضاعف حضور الحقيقة أكثر من إزعاج أو توهم.

وهكذا يصبح السؤال علامة عقلانية، ودليلًا على فكر ناضج، وشاهدًا على عقل يتحرك لا يركد.

آخر الكلام:

من أراد أن يبني عقلًا واعيًا، وفهمًا ناضجًا، وإدراكًا عميقًا، وفكرًا عقلانيًا متزنًا، فليبدأ من حيث يبدأ كل عقل كبير: ينطلق من سؤال يتجاوز حدود الكلمات ليصل إلى حدود الحقيقة.

حين يصل السؤال فعلاً من أفعال الحرية وقتئذٍ يتحرر العقل من التلقي، من القولبة، من الكسل الفكري، ومن اليقين الزائف الذي يحجب العقل ويمنعه من التطور.

فليفتح الجميع مساحات لا نهاية لها حتى يبقوا يقظين لإمكاناتهم ومتيقظين من الوهم الجارف المؤثر على توازن العقل.